ابدأ مقالي بالتأكيد على ان المسرح هو أحد الركائز الأساسية في البناء الثقافي للأمم _ فهو بذلك ليس مجرد منصة للعرض والفُرجه ، بل هو أبو الفنون ، يعكس قضايا المجتمع ويعيد صياغة الوعي الإنساني ، ويشكل فضاء حر لمناقشة التحولات الفكرية والاجتماعية . وتكمن ميزة الإبداع المسرحي في كونه فن المواجهة الحية واللحظية بين الممثل والجمهور _ حيث يُولد الفعل الإبداعي ويتنفس على الخشبة في ذات اللحظة .
وهذا الإبداع يتجسد في قدرة المسرح على تحويل النص المكتوب من كلمات عاديه و ساكنه إلى كائنات حية تتحرك بمشاعرها وأفكارها أمام العيان مستعينة بجماليات التناقض البشري والصراع الدرامي الذي يجسد واقع الحياة .
في هذا الفضاء _ تتكامل عناصر المسرح الحيوية في نسيج واحد فمن نص أدبي بليغ يحمل عمق فلسفي ورؤية إخراجية ذكية تفسر خبايا السطور _ إلى أداء تمثيلي حي يجسد النبض الإنساني _ تدعمه عناصر السينوغرافيا من إضاءه ومؤثرات صوتية وديكور لتمنح الفضاء بُعد بصري ودلالي مبهر و شائق .
هذا التكامل العضوي هو ما يبني المنتج الإبداعي الشامل _ ويمنح المشاهد متعة ذهنية ووجدانية لا تُحاكى لانها تجمع بين الدهشة والتأمل >> وتثير في نفسه الأسئلة وتنمي حسه الجمالي .
واقول من هنا نجح المسرح عبر تاريخه العريق في تكوين جمهوره وبناء حاضنته الشعبية ليتحول المتلقي من مجرد مشاهد عابر إلى شريك فاعل في العملية الإبداعية .
امتدادا لهذه التجربة المسرحية الرائدة وهذا الجمال الإبداعي جاء مهرجان الدوحة المسرحي في دورته الثامنة والثلاثين في هذا التوقيت ليعانق محبي المسرح من جديد و ليعيد إلى الأذهان البدايات الأولى والمحطات التأسيسية للمهرجان في بواكير أيامه في سبعينيات القرن الماضي حين انطلق كمنصة وليدة تتقدم بشغف الرواد وتؤسس لنهضة فنية وثقافية قطرية صاغت وجدان المنطقة وعززت الهوية الوطنية .
ويستمر هذا العطاء ويمضي تحت رعاية وتنظيم وزارة الثقافة وهي تولي الحركة المسرحية اهتمام بالغ و رعاية بائنة . استمتعنا هذا العام في أيام المهرجان بوجودنا بين يدي خشبة المسرح التي نُحب _ فكانت أمسيات رائعة وجميلة تشبه جمال الدوحة ونقاء ليلها الثقافي .
فعاليات وحضور هذه الدورة تجلت فيه صور تعاقب الأجيال ، حيث التقت خبرات الرواد بطاقات الشباب الواعد في تمازج جميل و خلاق أكد على المستقبل المسرحي العتيد والباذخ .تميزت هذه الدورة بخصوبة في طرح موضوعات المعالجة _ تنافست فيها العروض الثلاثة الكُبرى وأثرت المشهد بأداء جيد و بنقاشات نقدية رفيعة من الرواد .
غير أن الحدث الأبرز الذي توج المهرجان كان الحضور الطاغي لمسرحية المدينة الفاصلة والتي نجحت في حصد معظم جوائز المهرجان بفضل تضافر جهود صناعها _ وقد استحق المخرج الشاب محمد المُلا الثناء الكبير على رؤيته الإخراجية المبتكرة وقدرته على قيادة العمل بروح تجديدية واضحة وبإصرار على التميز ، ليقود هذا العمل الذي برز فيه التناغم الاستثنائي للثلاثي المبدع الكاتب طالب الدوس بهذا النص العميق و المحكم والفنان فيصل رشيد والمجموعة بأدائه تمثيلي قوي ، والمخرج محمد الملا بلمساته الفنية ، ليقدموا معاََ لوحة إبداعية متكاملة برهنت على أن المسرح القطري يمضي ليبقى دائماََ منارة متجددة للإشعاع الثقافي والفني .