من يحرس الأرض عندما يغيب صاحبها؟ إحياء السجل العقاري… رؤية لتطوير حماية ملكية الأراضي في السودان
Mazin
د. الصادق على حاج الشيخ
“قد تغيب الأعين عن الديار، وقد تطول سنوات السفر أو النزوح، لكن الأرض تبقى شاهدة على أصحابها، تحفظ أسماءهم في الذاكرة قبل أن تحفظها السجلات. وحين تمتد إليها يد القانون بالحماية، تزدهر المدن وتطمئن النفوس، أما إذا سبقتها إليها يد التزوير، فإن النزاع لا يكون على قطعة أرض فحسب، بل على الثقة التي تربط المواطن بدولته. ومن هنا، فإن حماية الملكية ليست مجرد إجراء إداري، وإنما هي أحد أعمدة العدالة، وركيزة من ركائز الاستقرار والتنمية.”
تحتل الأرض في وجدان السودانيين مكانة تتجاوز قيمتها المادية، فهي تاريخ الأسرة، وامتداد الهوية، ورصيد الأجيال القادمة. ولذلك اكتسبت منظومة تسجيل الأراضي والعقارات في السودان أهمية كبيرة منذ وقت مبكر، إذ أسهمت في تثبيت الحقوق وتنظيم المعاملات العقارية، وشكلت على مدى عقود مرجعاً قانونياً موثوقاً في إثبات الملكية وحماية أصحابها.
غير أن العالم من حولنا تغيّر بوتيرة متسارعة. فقد تطورت وسائل الاتصال، وتقدمت تقنيات المعلومات، وفي المقابل تطورت أيضاً أساليب الاحتيال والتزوير، وأصبحت أكثر تعقيداً وقدرة على استغلال أي ثغرات إجرائية أو تقنية. ولم يعد هذا التحدي مقتصراً على دولة بعينها، بل أصبح قضية عالمية دفعت كثيراً من الدول إلى مراجعة نظمها العقارية وتحديثها بصورة مستمرة.
وفي السودان، تزداد أهمية هذا التحديث في ظل ظروف استثنائية فرضتها سنوات النزوح والهجرة، وأخيراً تداعيات الحرب، حيث أصبح عدد كبير من ملاك العقارات بعيدين عن ممتلكاتهم لفترات طويلة، بينما انتقلت بعض الأسر من ولاية إلى أخرى، وغادر آخرون البلاد، أو آلت ممتلكاتهم إلى الورثة دون استكمال جميع الإجراءات النظامية. وهذه أوضاع إنسانية طبيعية في ظل الظروف الراهنة، لكنها في الوقت نفسه تستدعي تطوير وسائل إضافية لحماية الملكية وتعزيز سلامة السجل العقاري.
السجل العقاري … أحد أعمدة الثقة: تقوم المعاملات العقارية في أي دولة على قاعدة بسيطة لكنها شديدة الأهمية، وهي أن يثق المواطن في أن ملكيته محفوظة، وأن الدولة تمتلك نظاماً قادراً على إثباتها وصيانتها. ومن هذه الثقة تنشأ حركة البيع والشراء، والتمويل العقاري، والاستثمار، والتوسع العمراني.
وقد أسهم نظام تسجيل الأراضي في السودان في ترسيخ هذه الثقة عبر سنوات طويلة، مستنداً إلى منظومة قانونية معروفة وإجراءات منظمة حفظت حقوق أعداد كبيرة من المواطنين. غير أن المحافظة على هذه المكتسبات تقتضي مواصلة تطويرها بما ينسجم مع التطور التقني العالمي، فحماية الحقوق ليست عملاً ينتهي بصدور القانون، وإنما عملية مستمرة تتجدد كلما ظهرت وسائل جديدة تستوجب تعزيز الضمانات القانونية والإجرائية.
التحدي ليس في القانون… بل في مواكبة المتغيرات:
كثيراً ما يُظن أن مواجهة جرائم التزوير تبدأ بإصدار قوانين جديدة، بينما تكشف التجارب الدولية أن التشريعات وحدها لا تكفي إذا لم تواكبها إجراءات حديثة وتقنيات متطورة.
فالتحدي الحقيقي لا يكمن في قوة النصوص القانونية، وإنما في ضمان أن تظل بيانات الملكية محدثة، وأن تكون وسائل التحقق من هوية المتعاملين أكثر كفاءة، وأن تتكامل قواعد البيانات الحكومية بما يحقق أعلى درجات الاطمئنان إلى سلامة الإجراءات.
ولذلك فإن تحديث منظومة التسجيل العقاري ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره امتداداً طبيعياً لمسيرة التطوير الإداري التي تشهدها مؤسسات الدولة، وليس بديلاً عن النظام القائم أو انتقاصاً من كفاءته.
عندما يغيب المالك… من يحرس حقه؟ هنا تبرز القضية التي تستحق النقاش.
فقد يسافر صاحب العقار سنوات طويلة للعمل خارج البلاد، أو يضطر إلى النزوح، أو يتوفى فتظل ممتلكاته في انتظار استكمال إجراءات الورثة. وخلال هذه الفترة قد لا تطرأ أي معاملة على العقار، كما قد تتغير وسائل الاتصال أو محل الإقامة أو غيرها من البيانات ذات الصلة.
وهنا لا يتعلق الأمر بوجود خلل في الملكية ذاتها، وإنما بطول الفترة الزمنية بين تسجيل العقار وبين آخر مراجعة لبيانات صاحبه.
وفي عالم تتغير فيه البيانات الشخصية باستمرار، يصبح من الطبيعي أن تتطور أيضاً وسائل المحافظة على السجل العقاري، بحيث لا يظل ثابتاً لعقود طويلة دون تحديث، بينما تتغير الظروف المحيطة به بصورة مستمرة.
من التسجيل إلى الحماية المستدامة:
ربما آن الأوان للانتقال في التفكير من مفهوم “تسجيل الملكية” إلى مفهوم أوسع هو “استدامة حماية الملكية”.
فالملكية لا تُحمى بمجرد تسجيلها لأول مرة، وإنما تزداد قوة كلما جرى تحديث بياناتها بصورة دورية، وربطها بوسائل تحقق حديثة، وإتاحة قنوات تواصل مباشرة مع المالك.
ومن هذا المنطلق، يمكن طرح فكرة “إحياء السجل العقاري” بوصفها مبادرة إصلاحية تستهدف تعزيز الحماية القانونية، لا إعادة إثبات الملكية أو التشكيك فيها. فكما تُجدد وثائق الهوية وجوازات السفر ورخص القيادة لضمان دقة بياناتها، يمكن أن يخضع السجل العقاري لآلية مراجعة دورية مرنة، يؤكد من خلالها المالك، أو وكيله الشرعي أو القانوني، صحة بياناته ويحدثها كلما اقتضت الحاجة، وفق ضوابط يحددها القانون