رأي

ناشطو (قحت) ونرجسيَّة الوصاية على الشعب

خالد محمد أحمد

المتأمِّل لخطاب ناشطي (قحت) ونظرتهم إلى قطاعٍ كبير من الشعب السوداني يُدرك سريعًا أنه يتجاوز حدود الاختلاف السياسي إلى افتراض تفوُّقٍ معرفي وأخلاقي، وسلب الآخرين حقَّهم الأصيل في أهليَّة التفكير وحرية القرار.

ودفعًا لأيِّ التباسٍ قد ينشأ عن هذا النقد، أُؤكِّد أنني لا أتناول هؤلاء من باب الاستعلاء أو ادِّعاء التفوُّق، ولا آتي ما أنهى عنه؛ فلستُ منخرطًا في العمل السياسي، ولا يتجاوز رأيي فيهم رأيَ مواطنٍ في فاعلين سياسيين لا يمثِّلون في تقديري أغلبيةً شعبية، بل يعبِّرون عن فئةٍ محدودة.

أمَّا هؤلاء الناشطون، فيتعالون على الشعب عن قصدٍ أو غير قصدٍ وكأنَّهم قد أوتوا مجامع الحكمة والفهم، وأن ما عداهم ليسوا إلا أتباعًا لم يبلغوا بعد سنَّ الرشد.

هذا الخطاب الذي يتنزَّل على الناس من علٍ لا يرى في الشعب شريكًا في إنتاج السياسة، بل مجرَّد متلقٍّ يُلقَّم المواقف فيزْدرِدها طائعًا، وأنه يحتاج على الدوام إلى وصيٍّ يتعهَّده بالرعاية المعرفية؛ فالمخالف لهم في نظرهم إمَّا مخدوعٌ أو مضلَّل أو مغيَّب، وفي أحسن الأحوال غير مؤهَّلٍ لفهم تعقيدات الواقع.

ومن المُلاحظ أن لفظة “الوعي” التي يكثرون استخدامها للتقليل من شأن محاوريهم ليست إلا دلالةً على هشاشة حججهم، وكشفًا عن خللٍ ثقافي وتربوي، إذْ تُستدَعى كأداةٍ للفرز والترفُّع، لا كقيمةٍ معرفية حقيقية.

وقد بلغ إحساسهم بالحقِّ في الوصاية على الشعب حدًّا بعيدًا حتى لم يَعُد بعضهم يتورَّع عن التطاول بالشتيمة الصريحة؛ إذْ وصل الأمر بأحدهم إلى وصف الشعب بـ “الحمير” وتكرارها مرارًا.

ومن عجبٍ، أن أصحاب هذا الخطاب ما زالوا يرون أنفسهم أهلًا لحُكم شعبٍ “غير ناضجٍ سياسيًا” في نظرهم أتاح لهم شهرةً بعد غمور، وفارهاتٍ بعد أن تعفَّرت أقدامهم بمطاردة وسائل المواصلات، وتنعُّمًا بأطايب الطعام من بعد جوعٍ.

المنطق عندهم بسيطٌ حدَّ الانغلاق؛ فإذا التقت مصالح الشعب مع غيرهم، فذلك دليلٌ على قصور وعيه وقابليته للتضليل، لا على عوار طرحهم؛ أمَّا إذا التقوا هم مع الجهة نفسها، انقلب الأمر إلى “براغماتيةٍ سياسية” مشروعة. وهكذا، يُعاد تعريف ما يُدان عند الآخرين بأنه فضيلةٌ لديهم.

وقد تحوَّل هذا الأسلوب مع الوقت إلى ضربٍ من العمى السياسي؛ فهم لا يدركون حتى الآن أن تآكل ثقة الناس فيهم ونفورهم منهم لا يعود إلى مواقفهم المعيبة فحسب، بل إلى تلك النظرة الفوقيَّة التي تختزِل المجتمع إلى قاصرٍ سياسي لا يُحسِن تقدير مصلحته، ويُفترَض فيه أن يتلقَّى دروسًا خصوصية بعد العصر تأخذ بيده إلى جادَّة الصواب والفلاح.

والمحيِّر أن هذا الخطاب الأبوي يصدر عن جماعةٍ سياسية فقيرة في الإنجاز والرصيد الجماهيري، وغنية بالوعظ والتنظير. جماعة تعجز حتى عن مراجعة نفسها رغم جسامة الأزمات وتقلُّب الأوضاع، وحين تخفق في إقناع الجماهير بمواقفها، تلوذ بالخارج لتجترَّها وتسوِّقها في المؤتمرات الدولية والبرلمانات، ولدى حكوماتٍ تتربَّص ببلادنا الدوائر.

يستدعي هذا التمادي في تحدِّي إرادة الشعب إلى هذه الدرجة غير المسبوقة وقفةً جادَّة للتأمُّل؛ إذ لا يُعقَل أن يواصل هؤلاء الهواة ممارسة الوصاية على الشعب واستفزازه بهذا الإصرار؛ فالسياسي الحصيف يتحسَّس خُطاه، ولا تغفل عينُه عن نبض الجماهير واستطلاعات الرأي؛ فلا يُقْدِم على خطوةٍ إلا بعد أن يستقرئ ميول الرأي العام ويوازن بينها، فيميل حيث تميل الكفَّة. وهو لذلك أحرص ما يكون على تجنُّب إثارة سخط الجمهور حتى في المسائل التنفيذية القابلة للأخذ والردِّ، دعْك من استعدائهم بمواقف تمسُّ السيادة وتنال من الكرامة. ولهم في مقاربة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب التوتُّرات مع إيران عبرةً؛ فها هو ذا، على ما يُؤخَذ عليه من اندفاعٍ ورعونة، يتحرَّك بحذرٍ شديد خشية استثارة الرأي العام كدليلٍ على حضور حسابات الجماهير في توجيه القرار السياسي حتى لمن هو في سدَّة الحكم؛ فكيف بمن يتحرَّاها ويترصَّدها بكلِّ سبيلٍ حتى من باب الخيانة والعمالة؟

أمَّا السياسة من منظور هؤلاء، فليست إلا تمرينًا على الاستغفال والتذاكي. وبما أنهم يعلمون أن حججهم واهنةٌ في أصلها، تراهم يُقدِّمون رجلًا ويؤخِّرون أخرى، ويتقعَّرون في العبارة، ويُنمِّقون اللفظ، ويتعالمون على من يخالفهم الرأي؛ فلا يرونهم إلا جُهَّالًا يُساقون كما تُساق الدواب، أو في أحسن الأحوال تلاميذ في فصل الوطن الكبير، يبتغون بذلك تبرير ما لا يمكن تبريره.

ولعلَّه من الضروري أن يعكف المختصُّون على استجلاء أسباب هذه النرجسيَّة السياسية، التي قد تلامس في بعض وجوهها حالةً نفسية أو خللًا في تقدير العلاقة مع المجتمع، وربما اضطرابًا في إدراك موقع الذات من الناس. ومن باب التغوُّل على غير اختصاصي، لا أجد لهذا الداء علاجًا إلا أن يُعرَض أصحابه على “فَكِي كارِب” عسى أن يفكَّ جُبَارتهم.

أمَّا أولى خطوات العلاج الذاتي، وإنْ كنتُ لا أرى لهم بُرءًا من هذا الداء المزمن، فهي أن يستبينوا أن الجمهور ليس مادةً خامًا للتهذيب السياسي، بل شعبٌ “محنَّكٌ عميق الدروس”، وأن أفهم هؤلاء الناشطين ليس إلا كغيره من المواطنين “تلميذًا في مدرسة الشعب” يجدُر به أن يُقيم لرأي الجماعة وزنًا، لا أن يتعامل معها من مقام الأستاذية، أو العصمة السياسية، أو احتكار الأخلاق والمعرفة.

وعليهم أن يتواضعوا ويستوعبوا أن السياسي ليس إلا مرآةً لإرادة الشعب يستمدُّ منها مواقفه وقراراته. وما لم تُكْسَر هذه الدائرة الأبويَّة في خطابهم ومواقفهم، فإن غربتهم عن الجماهير ستتَّسع يومًا بعد يوم حتى تنحسر حظوظهم في قلوب الناس إلى حدِّ التلاشي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى