يخسر السودان سنويًا ما يقرب من مليار دولار من إيراداته، وهو رقم يعادل نصف إجمالي صادرات الدولة، وكل هذا بسبب إغلاق ميناء هيدوب. إنها حقيقة صادمة: نحن لسنا فقراء، بل إن من يمسكون بزمام القرار يمرون بجانب الذهب ولا يمدون أيديهم لالتقاطه. في كل زاوية من هذا الوطن، تتجلى قصة تدمي القلب، وحكاية عن صرح كان يمكن أن يغنينا عن ذل السؤال. اليوم، حديثنا عن ميناء هيدوب.. تلك الحكاية التي تستحق أن تُروى، ولكنها للأسف، تنتهي دائمًا بدمعة أسى على فرصة ضائعة.
2
يقع ميناء هيدوب جنوب سواكن بـ 30 كيلومترًا، وهو ليس مجرد رصيف ومياه، بل هو حلم كان يمكن أن يمثل نقلة نوعية لاقتصادنا، لكننا آثرنا تركه للأتربة والنسيان. تخيلوا معي.. أرصفة الميناء الشاهقة تقف اليوم كـ «أطلال» صامتة، بينما يقف بجانبها آلاف الشباب من أبناء المنطقة، يحدقون في بوابات الميناء الموصدة، باحثين عن قوت يومهم. إنها مفارقة عبثية لا تحدث إلا في بلادنا: جوعٌ يضرب أرضًا بجانب مخزن يفيض بالخيرات!
3
الميناء هو ثمرة شراكة استراتيجية بين هيئة الموانئ البحرية السودانية (بنسبة 51%) والشركة الصينية لهندسة الموانئ البحرية (بنسبة 49%)، باستثمارات تراوحت بين 81 إلى 120 مليون يورو. كان المخطط أن يكون هيدوب أول ميناء حديث ومتخصص لتصدير الماشية واللحوم، وقد تم تشييد بنية تحتية مذهلة تشمل خمسة أرصفة عالمية بطول 241 مترًا وعمق 12.5 مترًا، بطاقة استيعابية ضخمة تصل إلى 30,000 طن. كما يضم الميناء محجرًا بيطريًا متكاملًا، وهو صرح على مساحة 300 فدان، يضم حظائر تتسع لـ 30 ألف رأس، وشبكات مياه متطورة.
4
كان الحلم أبعد من مجرد التصدير، بل كان نواة لمدينة اقتصادية متكاملة. فلا تقتصر أهمية الميناء على دوره في تصدير الماشية، بل يمثل قاعدة استراتيجية يمكن البناء عليها لإنشاء منطقة صناعية لتجهيز وتصنيع اللحوم، وصناعة الجلود، والخدمات المساندة. هذا التوجه يهدف إلى زيادة القيمة المضافة للصادرات السودانية، وتعزيز النقد الأجنبي. ولكن، رغم تجهيز الميناء منذ عام 2019م، إلا أنه ظل معطلًا ومحاصرًا نتيجة نزاعات الأراضي والمطالبات المحلية، وغياب الرؤية الاستراتيجية لتشغيله.
5
منذ الافتتاح المبدئي في نوفمبر 2017 وحتى اليوم، والميناء يصارع للبقاء خارج الخدمة. الحقيقة التي يجب أن نواجهها هي أننا أصبحنا أسرى لتعقيدات وصراعات قبلية لم تجد من يفككها. تتلخص أبرز هذه العقبات في توقف الميناء بسبب النزاعات المحلية وصراعات حول ملكية الأرض التي أدت لإغلاق الميناء والمحجر. كما أن هناك مطالب للمجتمعات وشعور الأهالي بأنهم «خارج» دائرة الاستثمار، ومطالباتهم المشروعة بالخدمات الأساسية من كهرباء وصحة وتعليم، بالإضافة إلى التعويضات العادلة عن الأراضي. يضاف إلى ذلك غياب الحل المؤسسي، وحاجتنا الماسة لفتح قنوات حوار مباشرة مع المكونات القبلية لجدولة التعويضات العادلة، وإنهاء النزاع بشكل جذري ومؤسسي، بعيدًا عن الحلول الأمنية المؤقتة.
6
لا يبدو أن هناك قضية يمكن أن ينجزها مجلس السيادة الموقر ورئيس مجلس الوزراء أهم من تشغيل هذا الميناء. يمكن للمسؤولين التحرك فورًا إلى منطقة الميناء، للجلوس مع الأهالي وشرح فوائد هذا المشروع التنموي، مع إلزام الشركة بكافة الخدمات الاجتماعية المستحقة. تحركوا أيها السادة.. هناك مليار دولار سنويًا تنتظر خطواتكم هذه.. فمتى ستتحركون لإنعاش هذا الشريان الاقتصادي؟ هذا هو السؤال الذي يتردد صداه في أرجاء الميناء المهجور.
7
إن بقاء ميناء هيدوب مغلقًا، ليس مجرد فشل إداري، بل هو «خطيئة» وطنية نرتكبها كل يوم في حق اقتصادنا ومستقبل أجيالنا. لا نبحث عن أعذار، ولا ننتظر وعودًا، بل نريد أن نرى حلًا فوريًا يسهم في تشغيل الميناء. فإذا كانت الحكومة عاجزة عن تشغيل ميناء واحد، فكيف ستدير أحلامنا وطموحاتنا الكبرى؟ هذا هو السؤال الذي سيبقى معلقًا كشوكة في حلق الوطن، حتى تفتح أبواب هيدوب وتبقى من آمالنا في غدٍ أفضل ووطن مزدهر ممكنة.