موسم الهجرة إلى الشمال: الترجمة والذاكرة الاستعمارية

خالد محمد أحمد

(1)

عطفًا على مقالةٍ سابقة لي عن ترجمة رواية (موسم الهجرة إلى الشمال) للطيب صالح، أواصل فأقول إن المترجم لم يتَّبع استراتيجيةً واحدة ثابتة في ترجمة الرواية بأكملها، بل لجأ إلى تنويع استراتيجياته بما يتلاءم مع السياقات المختلفة التي واجهته أثناء عملية الترجمة. يعكس هذا التنويع إدراكًا لطبيعة النصِّ واختلاف طبقاته الثقافية واللغوية والسرديَّة.

ويمكن فهم جانبٍ مهم من هذا التنويع في ضوء مفهوم التكافؤ الديناميكي (Dynamic Equivalence)، الذي طوَّره اللغوي الأمريكي يوجين نايدا (Eugene Nida)، والذي لا يقتصر على نقل المعنى المعجمي الحرفي، بل يستهدف إحداث الأثر نفسِه في القارئ المتلقِّي للنصِّ المترجَم كما أحدثه النصُّ الأصلي في جمهوره.

تتجلَّى هذه المقاربة في تفضيل المترجم لفظة (English) على (British) في كثيرٍ من المواضع لنقل المنظور السوداني للمستعمِر، وهو انحيازٌ يحافظ على طريقة تشكُّل المستعمِر في كثيرٍ من أنماط الخطاب والذاكرة الاجتماعية السودانية، لا على تعريفه الجيوسياسي الرسمي؛ ففي الخطاب السوداني اليومي، وخاصةً في الفترة التاريخية التي تدور فيها أحداث الرواية، كانت كلمة (الإنجليز) هي التسمية الأكثر تداولًا للدلالة على السلطة الاستعمارية، والتي تُحيل إلى صورةٍ اجتماعية-تاريخية كما تبلورت في التجربة اليومية لا إلى جنسيةٍ بعينها؛ بينما ظلَّ مصطلح (British) إداريًا وسياسيًا أكثر منه لفظًا متداولًا ومعاشًا. وبهذا الاختيار، نقل المترجم المقام أو طبقة الخطاب (register) التي تُعاش من خلالها السلطة.

ومن المهم الإشارة إلى أن هذا الاختيار ليس عارضًا في النصِّ الأصلي؛ فالطيب صالح يكتب من داخل بيئةٍ سودانية يدرك لغتها اليومية وتمثُّلاتها التاريخية إدراكًا مباشرًا، وكان واعيًا بالفارق بين (الإنجليز)، التسمية الراسخة في الاستعمال الشعبي السوداني للمستعمِر، و(البريطانيين)، المصطلح السياسي الأشمل. ولذلك، جاءت كثيرٌ من الإحالات في الرواية الأصلية إلى (الإنجليز) لتنسجم مع عالمها القروي وذاكرتها الاجتماعية ولغتها المتداولة. ولعلَّ المترجم آثَر في كثيرٍ من الأحيان الحفاظ على المنظور الثقافي الذي تتشكَّل من خلاله صورة المستعمِر داخل النصِّ حتى لو جاء ذلك على حساب شيءٍ من الدقَّة التاريخية والإدارية، أو احتمال الالتباس لدى القارئ غير المُلمِّ بالسياق السوداني، الذي ينظر إلى الاستعمار على أنه مشروعٌ بريطاني متعدِّد المكوِّنات، لا إنجليزيًا بالمعنى الحصري. ولا تكمُن أهمية هذا الاختيار في النقل الحرفي لكلمة (الإنجليز) فحسب، بل في أن المترجم لم يُعِد تأطيرها لتنسجم مع الخطاب التاريخي البريطاني المعاصر؛ إذْ أبقى على تسمية المستعمَر لمستعمِره كما تشكَّلت في الذاكرة السودانية.

يتجلَّى هذا البُعد بوضوحٍ في مثال الامتياز الاجتماعي:

“He was the spoilt child of the English and we all envied him and expected he would achieve great things”.

“كان ابن الإنجليز المدلل. وكنا جميعًا نحسده، ونتوقع أن يصير له شأن”.

تُشير كلمة (الإنجليز) ومقابلتها في الترجمة في هذا السياق إلى بنية سلطةٍ حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية تمنح الامتياز، وتُعيد توزيع المكانة الاجتماعية داخل المجتمع المحلي. لذلك، تبدو (English) أقرب إلى التجربة الاجتماعية المباشرة، بينما تُحوِّل (British) العلاقة إلى توصيفٍ مؤسسي عام يدفع القراءة نحو مستوىً أكثر تجريدًا وأقلَّ التصاقًا بالتجربة المُعاشة.

ويظهر الأمر نفسُه في تمثيل السلطة الأسطورية المُتخيَّلة:

“The English District Commissioner was a god who had a free hand over an area larger than the whole of the British Isles…”.

“كان مفتش المركز الإنجليزي إلهًا يتصرف في رقعة أكبر من الجزر البريطانية كلها…”.

تُستخدَم كلمة (English) هنا كعلامةٍ رمزية لصورة السلطة المطلقة كما استقرَّت في التصوُّر الشعبي، لا كتصنيفٍ رسمي؛ فالمفتِّش ليس مجرَّد موظفٍ في جهازٍ استعماري، بل تجسيدٌ مباشر لقوةٍ مُتخيَّلة تتجاوز حدود القانون والإدارة. هذا الانتقال من صورة المؤسسة إلى صورة الشخص المتجسِّد هو ما تُضفيه كلمة (الإنجليز) على النصِّ. لذلك كان استعمال (British) سيدفع القراءة نحو فهمٍ أكثر مؤسسية وأقلَّ التصاقًا بالبُعد الوجداني الذي تحمله صورة (الإنجليز) في الوعي الشعبي؛ إذْ تتعلَّق الجملة بتمثُّل السلطة الاستعمارية باعتبارها قوةً شبه مطلقة تتجاوز الوظيفة الإدارية إلى ما يُشبه الهيبة الأسطورية.

ويتأكَّد ذلك أيضًا في الذاكرة الزمنية:

“… in the days of the English”.

“…أيام الإنجليز…”.

يعمل هذا التعبير كصيغة ذاكرةٍ جماعية لا كتحديدٍ تاريخي محايد؛ فاستعمال (British rule) كان سيُحوِّل العبارة إلى لغةٍ تاريخية مؤسسية، بينما تبقيها (English) داخل نبرة الحكي الشفهي والذاكرة الاجتماعية التي تخلط بين الزمن والتجربة والانفعال؛ فهي لا تنقل مجرَّد توصيفٍ تاريخي لمرحلةٍ سياسية، بل تستدعي حكاياتٍ وحمولةً شعورية كاملة ترتبط بالخوف والحنين والرهبة والتحوُّلات الاجتماعية والاقتصادية.

ويظهَر الميْل نفسُه في تجسيد السلطة في البنية التحتيَّة باعتبارها فعلًا مباشرًا:

“…the Sennar Dam, which the English had built in 1925…”.

“…الخزان الذي بناه الإنجليز عام 1926…”.

وبصرف النظر عن الاختلاف في التاريخ الوارد في الترجمة، وهو أمرٌ سبق أن تناولتُه في مقالةٍ سابقة، فإن ما يعنينا هنا هو استمرار تمثيل (الإنجليز) باعتبارهم الفاعل المباشر في الذاكرة السرديَّة للنصِّ.

Exit mobile version