خديعة التفكيك النووي: كيف يضحي ترامب بشروط إسرائيل لإنقاذ صفقته مع طهران؟
Mazin
كواليس اللحظات الأخيرة قبل توقيع هدنة الجمعة: إيران ترفض تفكيك أجهزتها، وإسرائيل تقصف لبنان لتحدي الإدارة الأمريكية.
تحليل: د. محمد زيدان خفاجي باحث في العلاقات الخليجية-الإيرانية والسياسات الدولية mohammedzidan89@gmail.com
خديعة “التفكيك” والتسويق البراغماتي لـ “النصر الترامبي المزيّف”: لم تعد كواليس اللحظات الأخيرة لقمة سويسرا المرتقبة غداً الجمعة تخضع للمكاشفة الدبلوماسية، بل تحولت إلى مسرح دولي معقد يُدار بـ “الخداع الإستراتيجي المتبادل” والمناورات الإعلامية الموجهة للاستهلاك الداخلي. من منظور أداة التحليل الجيوسياسي، جاء الإعلان الإيراني الرسمي ليحسم الجدل الذي أثارته الإدارة الأمريكية؛ حيث أكدت طهران بوضوح قاطع أنها لن تفكك جهاز طرد مركزي واحد، ولن تفرط في بِنْيتها النووية الصلبة التي انتزعت بها هذه التسوية، وإنما ستكتفي “بتتعليق تكتيكي” لضخ غاز اليورانيوم في أجهزة الجيل السادس (IR-6) وتحويل مخزونها عالي التخصيب إلى صيغة “أوكسيد” قابلة لإعادة التسييل في أي لحظة. هذا الموقف الإيراني الرصين يسقط الرواية التسويقية التي حاول نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس ترويجها لشبكة NBC، ويؤكد بوعي نقدي عميق أن الرئيس دونالد ترامب، المدفوع بنرجسيته البراغماتية وبحثه عن “برستيج سياسي” يوارى به انحناءه العملياتي أمام طهران، مستعد لابتلاع هذه الخديعة الإيرانية وتسويقها للداخل الأمريكي كـ “انتصار تاريخي ساحق” ما دام يضمن له تدفق النفط واستقرار الأسواق عند 83 دولاراً للبرميل وتأمين قواته من ضربات المسيّرات الانقضاضية قبل الاستحقاقات الانتخابية المقترحة.
التمرد الصهيوني الملتهب ومحاولة تفجير “الطاولة السويسرية” من بوابة لبنان: وفي الشق العملياتي الحرج، تفجر الشرخ البنيوي بين واشنطن وتل أبيب ليصل إلى مرحلة كسر العظم المباشر، متجاوزاً خطوط التحذير الحمراء التي رسمها مجلس الأمن القومي الأمريكي. إن إقدام جيش الاحتلال الإسرائيلي في الساعات الماضية على شن غارات جوية عنيفة استهدفت محيط مدينة صور وجنوب لبنان، يمثل تحدياً صهيونياً سافراً وصريحاً لـ “إملاءات ترامب” الإقليمية؛ حيث يرى بنيامين نتنياهو في بند “الوقف الفوري والدائم للعمليات على جميع الجبهات” مقصلة سياسية تنهي مستقبله وتكرس “وحدة الساحات” كواقع إقليمي معترف به دولياً. ووفقاً لاقتراب تحليل النظم، تسعى تل أبيب عبر هذا التسخين الجوي العسكري إلى دفع حزب الله والحرس الثوري لرد انتقامي خشن خلال الساعات القادمة، مما يجبر واشنطن على إلغاء المسار الدبلوماسي في جنيف والعودة قسراً إلى مربع التصعيد المشترك، ضاربةً بعرض الحائط المصالح الجيواقتصادية العليا للبيت الأبيض في سبيل إنقاذ الطغمة الحاكمة في تل أبيب.
المأزق الخليجي وحتمية “التحوط الذاتي” أمام تآكل الحليف: وفي الشق السياسي الإقليمي، تضع هذه التطورات العاصفة عواصم مجلس التعاون الخليجي أمام قراءة واقعية حتمية تثبت أن الحليف الأمريكي مستعد للتضحية بأقرب شركائه—حتى لو كان الكيان الصهيوني نفسه—في سبيل تأمين مصالحه النفعية الضيقة. هذا “العرى الجيوسياسي” يدفع العواصم الخليجية لتسريع وتيرة “التحوط الإستراتيجي الشامل”، والبحث عن تفاهمات أمنية ثنائية ومباشرة مع طهران بعيداً عن غطاء واشنطن المثقوب بالبراغماتية؛ إذ باتت جغرافيا المنطقة تفرض معادلتها: لا أمان للمنشآت النفطية إلا بصياغة نظام إقليمي ينطلق من حسابات الجوار وثبات خطوط النار.
بين حبر الاتفاق وفوهات الصواريخ المرتقبة: في التحليل الأخير، يبرهن التلازم المعقد بين المناورات النووية لطهران والغارات الانتحارية لنتنياهو في جنوب لبنان، على أن قمة الجمعة في سويسرا لن تلد سلاماً مستداماً، بل ستنتج “هدنة مأزومة” محفوفة بألغام التفجير الميداني. ومع بقاء الساعات القليلة الفاصلة عن موعد التوقيع، يبقى التساؤل الجيوسياسي الحرج معلقاً فوق أجواء الإقليم: هل تنجح نرجسية ترامب في لجم التمرد الصهيوني وتمرير صفقة “البرستيج” برعاية باكستانية، أم أن فوهات الصواريخ العابرة للحدود ستتحرك مجدداً لتكتب مسار المنطقة بالحديد والنار وتسقط سلام الأوراق قُبيل جفاف حبره؟