مهرجان القاهرة التجريبي يحتفي بيوسف عيدابي ويجمع المسرحيين العرب

افتتاح الدورة الـ33 بعرض «حياة».. وحضور سوداني لافت يشارك في الاحتفاء بأحد رموز المسرح السوداني
القاهرة :ماجدة حسن
انطلقت فعاليات الدورة الـ33 من مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، وسط حضور واسع من المسرحيين والفنانين والنقاد من مصر وعدد من الدول العربية والأجنبية، في دورة تواصل مسيرة المهرجان الممتدة منذ تأسيسه عام 1988، وتطرح أسئلة التجريب المسرحي في مواجهة التحولات الفنية والتكنولوجية المتسارعة.

وشهد حفل الافتتاح عرضًا فنيًا بعنوان «حياة»، حمل عددًا من الرسائل الإنسانية المرتبطة بقيمة الحياة والسلام، من بينها عبارة: «تولد لا لتتعلم الحرب، ولكن لتعرف كم يكلف السلام»، وهي جملة بدت شديدة الصلة بالواقع الذي يعيشه السودان في ظل الحرب وما خلفته من معاناة ونزوح وفقد.

كما تضمن الافتتاح فيلمًا عن بدايات المسرح التجريبي ومسيرة المهرجان منذ انطلاقه، إلى جانب كلمات أكدت أهمية التجريب بوصفه بحثًا دائمًا عن الجديد، وفنًا متمردًا لا يقع في أسر القوالب الفنية المألوفة.

وأكدت كلمات الافتتاح أن المسرح يظل من أكثر الفنون قدرة على التعبير وطرح الأسئلة واستشراف المستقبل، فضلًا عن دوره في التعرف على الاتجاهات الجديدة وفتح آفاق مختلفة أمام المبدعين، خصوصًا في ظل التحولات التكنولوجية المتسارعة.

وشهدت الدورة كذلك اختيار أعضاء لجنة التحكيم، إلى جانب تكريم عدد من الشخصيات المؤثرة في مسيرة المسرح من مختلف البلدان، تقديرًا لإسهاماتهم وتجاربهم، وكان من بينهم المسرحي والناقد السوداني الدكتور يوسف عيدابي.

يوسف عيدابي.. مسيرة تتجاوز الخشبة

يُعد الدكتور يوسف عيدابي واحدًا من الأسماء البارزة في مسيرة المسرح والثقافة السودانية والعربية، وامتدت تجربته عبر مجالات المسرح والنقد والتوثيق والعمل الأكاديمي والثقافي والإعلامي.

وأسهم عيدابي في تأسيس ودعم عدد من المؤسسات والمشروعات الثقافية والمسرحية، وارتبط اسمه بمحطات مهمة في تطور الحركة المسرحية العربية، كما كان من مؤسسي الهيئة العربية للمسرح وأكاديمية الشارقة للفنون، وأسهم في تأسيس كلية الموسيقى والدراما، إلى جانب عمله في النشر والثقافة والإعلام. كما امتدت علاقته بالمشهد الثقافي السوداني إلى الصحافة الثقافية والبرامج الإذاعية والتلفزيونية وإدارة الندوات والفعاليات، فضلًا عن اهتمامه بتوثيق تاريخ المسرح السوداني وحفظ ذاكرته.

عيدابي: التكريم اعتراف بدور المسرح

وفي حديث خاص الاحداث عقب تكريمه، قال الدكتور يوسف عيدابي إن تجربة مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، التي تأسست عام 1988، تطورت على مدى السنوات لتصبح ذات حضور مهم على المستويين العربي والدولي، مشيرًا إلى أن أثرها تجاوز حدود تقديم العروض إلى دعم تجارب مسرحية وإتاحة فرص لتنفيذ مشروعات جديدة، وتشجيع المسرحيين على تجاوز التيارات التقليدية والبحث عن أشكال وقضايا مختلفة.

وأكد أن استمرار المهرجان يمثل ضرورة للمشهد المسرحي، في ظل محدودية البدائل التي تتيح للمسرحيين اللقاء وتبادل التجارب ومناقشتها ونقدها، إلى جانب الإصدارات والكتب التي تسهم في توثيق تلك التجارب وتوسيع دائرة الاستفادة منها.

وقال إن التكريم، مهما اختلفت أشكاله، هو في جوهره تكريم للمسرحيين ولجهودهم، واعتراف بأهمية المسرح وارتباطه بالحياة الاجتماعية والسياسية العربية، مؤكدًا أن المسرح ليس مجالًا هامشيًا، وإنما يمثل مركز ثقل مؤثرًا في المجتمع.

التجريب السوداني.. تجارب تستحق إعادة الاكتشاف

وحول التجريب المسرحي في السودان ومدى مواكبته للحركة المسرحية العالمية، أشار عيدابي إلى وجود تجارب سودانية عديدة مهمة تعرضت للإهمال والتهميش، ولم تحظَ بما تستحقه من اهتمام علمي وإعلامي أو دراسات وبحوث.

وأكد أن غياب هذه التجارب عن دائرة الضوء لا يعني غيابها عن الواقع، داعيًا إلى إعادة اكتشافها وتعزيز حضورها، خاصة تجارب عدد من المخرجين الذين رحلوا وآخرين ما زالوا يعملون في مواقع مختلفة.

ولفت إلى أن التنوع الثقافي واللغوي في السودان يفتح مساحات واسعة أمام أشكال جديدة من المسرح، مشيرًا إلى أن التجريب السوداني يتقاطع مع تجارب عالمية عديدة، لكنه في بعض نماذجه يبدو أكثر قربًا من الناس وروح الجماعة، بعيدًا عن التجارب الشكلانية التي تنشغل بالشكل على حساب الصلة بالمجتمع.

المسرح السوداني في مواجهة الحرب

وفي حديثه عن قدرة المسرح السوداني على التعامل مع الحرب، أكد عيدابي أن المسرحيين السودانيين أثبتوا قدرة المسرح على تحويل واقع الحرب والمعاناة إلى فعل حي ومؤثر.

وأوضح أن المسرحيين أنجزوا خلال عام واحد أكثر من 166 نشاطًا استهدف الأطفال والنساء والمجتمع بصورة عامة، معتبرًا أن ذلك يؤكد أن المسرح لا يزال فاعلًا وقادرًا على ملامسة معاناة الناس.

وقال إن المسرح السوداني ظل مقاومًا ومستمرًا رغم الشقاء والجوع والمرض والموت، ولم يتوقف عن مرافقة الناس في نزوحهم وحياتهم اليومية، وظل شريكًا لهم في السراء والضراء.

وأضاف أن المسرح الذي ينبغي أن يستمر هو المسرح الذي «يقول كلمته كل يوم»، ولا يخشى سوى أن يفقد العمل المسرحي قيمته الجمالية والفنية.

عادل حربي: عيدابي من الملهمين لمسار التجريب

وقال المخرج عادل حربي إن يوسف عيدابي يُعد واحدًا من أبرز أصحاب التجارب المسرحية في السودان، ومن الملهمين لمسار التجريب المسرحي، مشيرًا إلى أنه كان من أوائل الذين أسسوا للتجريب في المسرح السوداني بوعي وعمق ومسؤولية تجاه مفهوم التجريب.

وأضاف أن أهمية تجربة عيدابي لا ترتبط فقط بما قدمه من عروض ومشروعات، وإنما باستمراريته في هذا المسار، موضحًا أن لديه مشروعًا مسرحيًا واضحًا ظل يعمل عليه حتى اليوم.

وأكد حربي أن «أهم ما في الأمر أنه ما زال مستمرًا في مشروعه»، معتبرًا أن الاستمرارية في البحث والتجريب من أبرز ما يميز تجربة عيدابي ويمنحها قيمتها في سياق المسرح السوداني.

تهاني الباشا: تكريمه احتفاء بالحركة المسرحية السودانية

وترى الممثلة والمخرجة تهاني الباشا أن تكريم الدكتور يوسف عيدابي لا ينبغي أن يكون تكريمًا لشخصه فحسب، وإنما تكريمًا للحركة المسرحية السودانية بأكملها، لما قدمه من إسهام كبير في توثيق تاريخ المسرح السوداني وحفظ ذاكرته.

وقالت إن تجربة عيدابي ما تزال حاضرة ومؤثرة، وإنه ظل على مدى سنوات يعمل من أجل المسرح السوداني، مؤكدة أن استمراره في هذا المشروع، إلى جانب جهده في التوثيق، يجعله واحدًا من الشخصيات التي تستحق التكريم والتقدير.

وأضافت: «أنا شايفة إن الدكتور عيدابي يستحق التكريم أكثر، لأنه ما زال ينتج ويعمل من أجل المسرح السوداني، ولأنه من أهم الذين أسهموا في توثيق الحركة المسرحية وحفظ ذاكرتها».

شمس الدين يونس: قامة ثقافية وفنية وأكاديمية عربية

وقال الدكتور شمس الدين يونس، الأكاديمي والمدير الأسبق للمسرح القومي، إن تكريم يوسف عيدابي يمثل تكريمًا لقامة ثقافية وفنية ومسرحية وأكاديمية عربية، مشيرًا إلى أن تجربته الممتدة وإسهاماته المتنوعة جعلت منه أحد الأسماء المؤثرة في المشهد الثقافي والمسرحي.

وأضاف أن عيدابي قدم الكثير للثقافة الإماراتية والعربية، ودرس في جامعات رومانية، وأسهم في تأسيس عدد من المؤسسات والمشروعات الثقافية والمسرحية، من بينها كلية الموسيقى والدراما، كما كان من مؤسسي الهيئة العربية للمسرح وأكاديمية الشارقة للفنون، إلى جانب عمله ناشرًا وصاحب مركز عيدابي للثقافة والفنون والإعلام.

وأشار يونس إلى أن عطاء عيدابي امتد كذلك إلى الصحافة الثقافية والفنية، وإعداد وتقديم البرامج الإذاعية والتلفزيونية والأدبية، وإدارة الندوات والفعاليات الثقافية.

ولفت إلى ارتباط عيدابي بجيل مهم من رموز الثقافة السودانية، وقربه من تجربة الدكتور محمد عبد الحي ومن التيارات الأدبية والفكرية التي تشكلت في السودان، مؤكدًا أن قيمته لا تكمن فقط في المؤسسات والمشروعات التي أسسها أو شارك فيها، وإنما في أثره الممتد على أجيال من المثقفين والفنانين والمسرحيين.

وتمنى شمس الدين يونس أن يظل علم عيدابي وإسهامه الثقافي والمعرفي حاضرًا وممتدًا، باعتباره ثروة معرفية وثقافية تتوارثها الأجيال.

زهير عبدالكريم: التكريم جسر بين السودان ومصر

وقال المخرج زهير عبدالكريم، الأمين العام لاتحاد تجمع الفنانين السودانيين بالقاهرة، إنهم «سعيدون كل السعادة» بهذا التكريم، الذي جاء في توقيت مهم في ظل الظروف التي يعيشها السودان، مؤكدًا أن المناسبة تحمل كثيرًا من الابتهاج والأمل بسودان موحد ومستقر.

وأضاف أن التكريم يمثل صورة من صور التمازج الوطني عبر الفنانين والمسرحيين والدراميين، ويليق بمكانة السودان وبالقيمة الفنية والثقافية للدكتور يوسف عيدابي، الذي وصفه بأنه أحد الأسماء التي كرست صوت المسرح السوداني منذ تجاربه الأولى في ستينيات القرن الماضي.

وأوضح أن وجود السودانيين وسط أهلهم في القاهرة يمنح التكريم دلالة خاصة، باعتباره مناسبة تؤكد عمق العلاقة بين الفنان السوداني والمصري، وبينهما وبين الفنانين في مختلف أنحاء الوطن العربي.

وأكد عبدالكريم أن للدكتور يوسف عيدابي إسهامات بارزة في المسرح العربي عمومًا والسوداني خصوصًا، معتبرًا أن الاحتفاء به يمثل احتفاءً بجسر ثقافي وفني يصل السودان بمصر والمحيط العربي.

حضور سوداني.. والزغاريد تحتفي بعيدابي

وشهد حفل التكريم حضورًا سودانيًا لافتًا ضم عددًا من الممثلين والمخرجين والممثلات والفنانين المقيمين في القاهرة، الذين حرصوا على مشاركة عيدابي لحظة الاحتفاء به.

وتحولت لحظة إعلان تكريمه إلى مشهد سوداني خالص، إذ تفاعلت الممثلات السودانيات مع صعوده إلى منصة التكريم بالزغاريد والتصفيق، وسط أجواء عكست مشاعر الفخر والاعتزاز بتكريم أحد رموز المسرح السوداني في مهرجان عربي عريق.

وجاء الحضور السوداني ليمنح المناسبة بعدًا إضافيًا، إذ لم يكن التكريم احتفاءً بتجربة فردية فحسب، وإنما مناسبة لاستحضار تاريخ المسرح السوداني وإسهامات رموزه، والتأكيد على أن الثقافة والفنون تظل قادرة على بناء الجسور، حتى في أصعب الظروف.

وبين خشبة المسرح وذاكرة التجارب السودانية، حملت الدورة الـ33 من مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي رسالة تتجاوز حدود العرض والتكريم، لتؤكد أن المسرح يظل مساحة للحوار، ووسيلة لطرح الأسئلة، وجسرًا يجمع الإنسان بالإنسان، والثقافات بعضها ببعض.

Exit mobile version