رأي

من يعطل صفقة أرامكو؟ (1)

فيما أرى
عادل الباز
1
منذ شهور أتابع عجائب ما يحدث في ملف الوقود، والفوضى والنهب الذي تقوم به مافيا القطاع، حيث إن الباخرة الواحدة تربح أكثر من 8 ملايين دولار. وكتبت أكثر من مرة عن الموضوع، والحمد لله أخيراً سمعت الدولة النداء، وقررت الحكومة ـ “بعد سلسلة اجتماعات تنفيذ توجيهات مجلس الوزراء بضبط عمليات استيراد الوقود، وذلك بإلغاء نظام “الكوتات” السائد في استيراد الوقود مناصفة بين شركات القطاع العام وشركات القطاع الخاص المصنفة ضمن مجموعات”.
مبارك في تقديري، هذا أول نصر فعلي تحققه الحكومة على مافيا البترول منذ عقود… ولكن وحده لا يكفي لحل الأزمات المتأصلة بهذا القطاع، والتي تنعكس على كل القطاعات الأخرى.
إذن ماذا ستفعل الحكومة بعد إلغاء النظام القديم؟
2
في خبر نشرته وزارة الطاقة بتاريخ 28/4/2026، قالت إن وزير الطاقة بحث مع وزير الخارجية التفاهمات التي تمت مع المملكة العربية السعودية في مجال إمداد الوقود، وأشار الخبر أيضاً إلى تفاهمات مع دول أخرى، منها ليبيا. ثم نشرت
صحيفة إيلاف الاقتصادية “الغراء” التي تتابع الملف بهمّة، نشرت خبراً في عددها بتاريخ 30 أبريل 2026 قالت فيه إن الحكومة تدرس عروضاً لاستيراد الوقود مباشرة من ثلاثة مصادر خارجية. لكن الصحيفة لم تفصح وقتها عن تلك الجهات ثم عادت وكشفت في عددها الأخير 7 مايو 2026 عن جهتين هما أرامكو وعمان.
إذن الآن عرفنا مع من تمت التفاهمات (ثلاث جهات)، فبدأت أبحث عن طبيعة هذه التفاهمات، التي لم يكن لها أثر في الخبر. وبالبحث في المصادر المهتمة بأخبار الطاقة، وتحديداً “منصة الطاقة” (مقرها واشنطن)، وجدت خبراً بتاريخ 28/4/2026 أكثر تفصيلاً يوضح بعض تلك العروض.
يقول الخبر ( السودان يدرس عرضاً مقدماً من شركة أرامكو السعودية لتوريد الوقود، في خطوة قد تعزز استقرار الإمدادات وتدعم قطاع الطاقة الذي يواجه تحديات تمويلية وتشغيلية خلال الفترة الأخيرة).
وأضافت المنصة أن العرض المقدم من عملاقة النفط السعودية ما يزال قيد الدراسة من الجهات المختصة، في إطار تفاهمات أولية تتناول جوانب الإمداد بالمنتجات النفطية.
كما أوضحت المنصة أن التعامل مع عرض أرامكو السعودية يجري عبر عدة مسارات، تشمل التزامات مالية تتولاها وزارة المالية، وجوانب فنية تختص بها وزارة الطاقة، إلى جانب الضمانات التي يوفرها بنك السودان، وهو ما يجعل الملف في مرحلة التقييم الفني والمالي قبل أي خطوة تنفيذية انتهى الخبر.
، بدأت أسأل: ما الذي تدرسه الحكومة؟ العرض ببساطة يقدم فترة 180 يوم للسداد ويطلب ضمانات من الدولة مع الالتزام بتوقر كل المنتجات البترولية بصورة مستقرة طوال العام. فلا يوجد أفضل من ذلك. إذًا ما الذي تنتظره الحكومة لتوقيع هذا العقد؟
قيل لي إن الأمر ما يزال يخضع لدراسة الجهات الثلاث، وإنها لم تصل إلى قرار نهائي حتى الآن… يدرسون ماذا؟ ومتى تنتهى هذه الدراسات؟ الدولة السعودية الآن في قمة تجاوبها مع السودان. لا يوجد ضمان لبقاء الوضع طويلاً على هذا الحال، فلماذا لا ننتهز الفرصة؟ ترى، ما الموضوع الخطير الذي يشغلهم أكثر من هذه الصفقة؟
التفاهم على أعلى مستوى قد تم، والعرض من أرامكو قُدم قبل أكثر من شهرين. ولم يتبقَّ الآن سوى موافقة بنك السودان على الضمانات البنكية الخاصة بالسداد وانسياب التحويلات، إلى جانب موافقة وزارة المالية أي الدولة على الصفقة.
ويمكن للذهب أن يشكل ضماناً مقبولاً من الحكومة لأرامكو،. وقتها لا يتبقى سوى الخطط والبرامج الفنية والتفصيلية لإكمال الاتفاق.
ترى لماذا هذا التلكؤ؟
انتابتني هواجس بأن مافيا البترول تقف وراء هذا البطء في اتخاذ القرار، بما لديها من تأثير داخل دوائر مختلفة في هذه الدولة التي أنهكتها الحرب وشبكات المصالح .ولولا ثقتي في قيادات القطاع الاقتصادي بالدولة ـ وأعني السيد وزير الطاقة المهندس المستشار المعتصم إبراهيم أحمد، والسيد وزير المالية جبريل إبراهيم، ومحافظ بنك السودان الأستاذة آمنة ميرغني ـ لولا تلك الثقة لاتهمتهم مباشرة بالفساد والتواطؤ مع مافيا الوقود التي لا تخشى خسارة الأرباح فقط، بل تخشى فقدان النفوذ لانها تعلم ان السيطرة على الوقود تعني السيطرة سعر الدولار والسوق وسعر الصرف وحتى السياسة . ولحسن الحظ، فإن هذا الثلاثي الذى يدير الاقتصاد الان عندي فوق الشبهات
3.
والسؤال الملح هو: هل هناك من يجادل في أهمية تلك الصفقة ومردودها على الاقتصاد الكلي في مثل هذا الوقت؟
الاتفاق مع أرامكو يتجاوز مجرد تأمين إمدادات الوقود. إن الاتفاق الحكومي مع شركة بحجم أرامكو يمثل تحولاً استراتيجياً بعيد المدى،
فهو يضمن استقرار الإمدادات بعيداً عن تقلبات السوق المحلية ومكائد مافيا البترول التي يمكن ان تسعى لعرقلة الاتفاق. هذا الانتقال من “اقتصاد الصفقات” العرضي والمُكلف، الذي تتحكم فيه شبكات المصالح وشبكات الفساد، إلى “اقتصاد الإمداد المستقر” يعني تثبيت عامل حيوي للاقتصاد الكلي .إن التلكؤ المستمر إلى الان في إتمام هذا الاتفاق هو منح المزيد من الوقت لهذه المافيا لتمارس نفوذها لتقويض الاستقرار الاقتصادي ككل
4.
السؤال الملح هل هناك من يجادل في أهمية تلك الصفقة ومردودها على الاقتصاد الكلي في مثل هذا الوقت؟
هل يمكن أن تكون الجهات المختصة والمسؤولة، بل والجهات العليا، لا تعرف أهمية المسارعة بإتمام الاتفاق على وجه السرعة؟
العملة تتدهور، والموسم الزراعي يكاد يفشل، والتضخم يتسارع… ومن شأن الإسراع بهذا الاتفاق أن يعالج عدة اختلالات تضرب الدولة الآن هل هناك من لايفهم هذا في قيادات الدولة؟ إذن، فيمَ التلكؤ؟
5.
في الحلقة القادمة سأوضح بالتفصيل الآثار التي يمكن أن تترتب على الاتفاق مع أرامكو، وأرامكو تحديداً وليس سواها وليس أي عرض آخر؛ أرامكو ليست مجرد شركة تبيع الوقود، بل واحدة من أكبر أدوات الاستقرار الطاقوي والمالي في المنطقة، والدخول معها في اتفاق طويل الأجل يعني الانتقال من اقتصاد الصفقات إلى اقتصاد الإمداد المستقر والاتفاقية يمكن أن تقع ضمن اتفاقات استيراد الوقود الحكومية المعروفة باسم “حكومة إلى حكومة G2G
وسننظر في تجربة كينيا مع شركة ارامكو وتجربة شركة فيتول مع يوغندا
للمقارنة لعلى وعسى. .
6
سألت أحد الأصدقاء المهتمين عن سر عدم إتمام الاتفاق، فقال:
“هنالك توجيهات واضحة من جهات عليا في السعودية لإتمام الاتفاق بأسرع ما يمكن، ارامكوا تنتظر رد الحكومة”.
ثم أضاف:
“والله الحكومة دي حيّرتنا”.
حيرنى وأنا مُتحيّر!!.
“أقرع ونزهي”…
رئيس الوزراء ـ غفر الله له ـ ترك وراءه خيرات السعودية، وذهب يطلب بركات البابا في الفاتيكان..!!
نواصل…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى