فـؤاد قبـاني
ما أكثر القرارات الفطيرة في هذا الزمان! وكثيرًا ما نكتشف الخطأ قبل أن يجف المداد، فنعود عن القرار ونلغيه وكأن شيئًا لم يكن.
كثيرًا ما ناديت في مقالاتي وكتاباتي التي تندرج تحت العنوان الكبير «أهو كلام والسلام» بضرورة وجود مجلس للتخطيط الاستراتيجي، تكون مهمته وضع الرؤى والسياسات والخطط التي تقود الدولة، وتوجه الحكومة، وتمنع التخبط في القرارات.
فالدولة لا تُدار بردود الأفعال، ولا بالقرارات التي تُتخذ على عجل، ثم نبدأ في البحث عن مبرراتها بعد صدورها.
والقرار الأخير الذي أصدره مجلس الوزراء أشبه بالمقولة الشعبية: «سَهَرَ الجداد ولا نومه»؛ قرار يثير من الأسئلة أكثر مما يقدم من الإجابات.
لقد صبر العاملون على النزوح والسلب والنهب، وفقد كثير منهم كل ما يملكون، وهم ينتظرون الدولة لإنصافهم وتمكينهم من العودة الكريمة إلى أعمالهم وحياتهم الطبيعية.
ولكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل وضعت الدولة خطة واضحة لعودة هؤلاء العاملين؟ وهل وضعت في حسابها جبر الضرر الذي لحق بهم؟
الفريق جابر كان يسير وفق خطة لإصلاح وتأهيل وسط الخرطوم، حيث توجد معظم الوزارات والمؤسسات الحكومية. ولكن هل تُرك له المجال ليستكمل ما بدأه؟ وهل الذين تدخلوا لتحويل صلاحياته استطاعوا بالفعل أن يسيروا دفة العمل بعد تحويل تلك الصلاحيات إلى رئيس الوزراء؟
ثم نأتي إلى السؤال الأهم: ما هي الشروط التي يفترض أن تحكم العلاقة بين المُخدِّم والمُستخدم؟
أليس من حق العامل أن يجد مكان عمل مناسبًا يوفر له الظروف التي تمكنه من أداء مهمته؟
أليس من حقه الترحيل المناسب الذي يضمن وصوله إلى مكان العمل في الوقت المحدد، بدلًا من أن يبدأ يومه بالمعاناة وينهيه بمشقة العودة؟
أليس من حقه السكن المناسب الذي يوفر له الحد الأدنى من الاستقرار والراحة؟
وأليس من حقه الأجر المناسب الذي يساعده على التركيز والتفرغ لأداء عمله، بدلًا من أن يقضي معظم وقته في البحث عن كيفية تدبير احتياجاته الأساسية؟
العامل ليس مجرد رقم في كشف الرواتب، وإنما هو إنسان له أسرة واحتياجات وظروف، وهو في النهاية الأداة التي تنفذ بها الدولة سياساتها وبرامجها.
فكيف نطلب منه الإنتاج والإخلاص والانضباط، ثم لا نوفر له الحد الأدنى من مقومات العمل والاستقرار؟
وإذا كانت رئاسة الوزراء مُصِرّة على تنفيذ القرار بهذه الصورة، فالسؤال الذي يفرض نفسه: هل الغرض هو تنظيم العمل فعلًا، أم أن الغرض هو التخلص من العاملين بطريقة غير مباشرة، وذلك بعدم تبليغهم أو عدم تمكينهم من العودة إلى أعمالهم؟
إننا في مرحلة استثنائية، والسودان لا يحتمل مزيدًا من القرارات المرتجلة.
نحن أمام بلد يحتاج إلى إعادة بناء مؤسساته، وإعادة تشغيل اقتصاده، وإعادة ملايين النازحين إلى ديارهم، وإعادة العاملين إلى مواقعهم، وإعادة الثقة بين المواطن والدولة.
وهذا كله يحتاج إلى خطة، وليس إلى اجتهادات.
يحتاج إلى تخطيط استراتيجي، وليس إلى قرارات فطيرة.
ويحتاج إلى أن يعرف كل مسؤول: إلى أين نحن ذاهبون؟ وكيف سنصل؟ ومن المسؤول عن التنفيذ؟ ومتى نصل؟
فالدولة التي لا تخطط، ستظل طوال الوقت تطفئ الحرائق التي أشعلتها قراراتها.
ولذلك، أعود وأكرر ما ظللت أنادي به: نحتاج إلى مجلس تخطيط استراتيجي حقيقي، لا مجلسًا للزينة؛ مجلسًا يرى المستقبل قبل أن يقع، ويضع الخطط قبل أن تأتي الأزمات، ويقول للحكومة: هذا هو الطريق، وهذه هي الأولويات، وهذا هو ترتيب العمل.
فلنجد ولنتكاتف وما أكثر العمل الذى ينتظرنا لننهض بالسودان فاستووا يرحمكم الله.