من يحمي رأس الدولة؟

فيما أرى
عادل الباز
1
لطالما استقبل الناس تحركات السيد الرئيس البرهان وسطهم بكثير من الإعجاب، بفراسته وقدرته على الاقتراب من الجماهير وسماع صوتها مباشرة، وهو ما حصّنه كثيرًا من سموم التقارير المزيفة، وجعله أقرب إلى نبض الشارع. فحين يسمع بأذنيه ويرى بعينيه، يدرك ما يريده الناس حقًا، وهو ما جعله أقل حساسية للضغوط الدولية. وبدا الرئيس يشعر بأن الله معه، وأن الشعب يقف إلى جانبه، فلم يعد يخشى شيئًا.
2
ما أزعجني أن تلك التحركات تكاثفت في الشارع العام، وأصبحنا كل يوم نرى الرئيس بين الناس في الأسواق، والاجتماعيات، والأندية، وبيوت البكاء، وزيارات أسر الشهداء. يحدث ذلك الآن في وقت بالغ الخطورة، والبلاد لا تزال في خضم الحرب، فيما تتربص بها الدول والعملاء.
في مثل هذه الأوقات، تصبح أعلى درجات الحذر مطلوبة من القيادات، خاصة أن البلاد تعاني وضعًا أمنيًا مضعضعًا في كل الجبهات. والأخطر من ذلك أن ظاهرة الاغتيالات، التي لم تعرفها بلادنا في حروبها المتطاولة، بدأت تطل برأسها..
ويعلم الرئيس أن السودان، وسط هذه المعمعة، لا يحتمل أي مخاطرة إضافية، وأن بقاءه في هذه اللحظات على دفة قيادة البلاد، حيًا وسليمًا ومعافى، أمر يتعلق بسلامة الوطن أولًا، قبل سلامته الشخصية.
3
يعرف الرئيس أن هناك محاولتين سابقتين استهدفتاه شخصيًا، كتب الله له النجاة منهما؛ الأولى في جبيت، خلال احتفالات الجيش قبل عام ونصف، والثانية حين أطلقت الإمارات صواريخها من بونتلاند في الصومال مستهدفة مقر سكنه، فسقط الصاروخ بالقرب من منزله.
4
يدرك السيد الرئيس أن الاغتيالات لم تعد مجرد حوادث منفصلة، بل بدأت تظهر كأداة ضمن الحرب النفسية والسياسية والعسكرية، حيث تجمع بين الاغتيال السياسي المباشر، والاستهداف الانتقائي بالمسيّرات، والقتل الانتقامي.
وأبرز مثال حديث هو استهداف منزل أسرة قائد قوات درع السودان أبو عاقلة كيكل في ولاية الجزيرة، حيث قُتل عدد من أفراد أسرته، بينهم شقيقه. فهذا النوع من الاستهداف لا يهدف فقط إلى قتل شخص بعينه، بل إلى إرسال رسالة انتقامية للقائد وجمهوره وحلفائه.ويكمن خطر هذا النمط في أنه ينقل الحرب من ساحة الجبهة إلى البيت والعائلة والقبيلة.
وقد أصبحت المسيّرات أداة مناسبة وفعالة للاغتيالات، لأنها تتيح الضرب من مسافة بعيدة، وتمنح المنفذ هامش إنكار أكبر. تصاعد استخدام المسيّرات بصورة واضحة خلال عام 2026، وشملت ضربات على الخرطوم، وأم درمان، والأبيض، وكنانة، ومطار الخرطوم.
وفي هذا السياق، تصبح المسيّرة ليست مجرد سلاح ميداني، بل أداة اغتيال سياسية؛ تضرب قائدًا، أو بيته، أو رمزه، أو منشأة .المشكلة أن السودان لم يعتد هذا النوع من الحروب. فالصراع عندنا، رغم قسوته، ظل طويلًا بعيدًا عن ثقافة الاغتيالات السياسية المنظمة. لكن الحرب الحالية تبدو وكأنها تدفع البلاد نحو مرحلة جديدة، تختلط فيها الحرب العسكرية بالاغتيالات ، وتصبح فيها الرموز والأشخاص أهدافًا مباشر .
5
ولا شك أن في علم الرئيس أن الدولة التي تحاربنا الآن بكل قوتها وأموالها، وتجنّد المرتزقة، وتشتري السلاح والمسيّرات باسمها، هي دولة محترفة في الاغتيالات في كل منطقة دخلتها. وهي تستخدم في ذلك شركات أمنية خاصة، ومرتزقة، وشبكات دعم غير رسمية.
وهذا ما فعلته في ليبيا واليمن، حيث اغتالت عشرات الشخصيات والقيادات المحلية لأنهم لم يعترفوا بنفوذها وتدخلها في أوطانهم، ولأنهم كانوا وطنيين.
فالإمارات لا تتورع عن فعل أي شيء يمنعها من خسارة هذه الحرب، كما خسرت حروبًا أخرى خاضتها بالوكالة في سوريا واليمن وليبيا
6
يعلم السيد الرئيس البرهان أنه مستهدف، بل هو المستهدف الأول، لأنه رمز الشرعية في الدولة، ولأنه رفض كل الضغوط الغربية لإخضاعه، ولأنه عبر بالسودان أخطر مؤامرة واجهته في تاريخه الحديث، وأتمنى أن تكون تلك سيرته في التاريخ كما يعلم أن السودان، وسط هذه المعمعة، لا يحتمل أي مخاطرة إضافية..
7
إذا كان السيد الرئيس بلاشك يعلم كل ذلك، فمن حق الشعب عليه أن يغيّر أسلوب تحركاته. فالمطلوب في مثل هذه الظروف أعلى درجات الحذر من القيادات، خاصة أن البلاد تعاني وضعًا أمنيًا هشًا في كل الجبهات.
وعليه، فإن من الحكمة أن يدع كثيرًا من الزيارات والمجاملات لمبعوثين يمثلونه بحسب المناسبة، وأن يمتنع عن التحركات غير الضرورية فسلامة الرئيس في هذه اللحظة ليس مسألة تتعلق بشخصه فقط، بل باستقرار الدولة نفسها وسط أخطر مرحلة تمر بها البلاد.” .

Exit mobile version