

ألسنة وأقلام
بابكر إسماعيل
٢٩/ ٥/ ٢٠٢٦
تعال افطر معانا بكرة .. وصلٌ معانا الظهر
كانت تلك دعوة كريمة من أخ كريم ..
يممت بيته وأنا أكابد الوحدة في تلك الديار .. (زارني ابني للعيد معي) وذهبنا سوياً في ثاني أيام عيد الأضحى الميمون .. وآ لهف قلبي على عيد الأضحى في أمٌ المدائن سنار .. حيث كانت تُذبح القرابين الخمسة بتراتبيتها المعروفة ..
أضحية الوالد عليه الرحمات والشقيق الأكبر .. ثم أضحيتي ثم أضاحي الأُخيّات وقد جئنا من كل المدن والنجوع إلى البيت الكبير .. فتُشوى المشاوي والعطرابة ترتفع عالية في عنان السماء خيوطاً بيضاء من الدخان كأنها تعلن تسمية بابا جديد للفاتيكان ..
ثم تدار أسقية عصير البلح المثلٌج “الشربوت” .. بأكواب وأباريق وكأس من معين ..
وبعضهم يصدعون عنه وينزفون ..
والأصحاب والجيران يدخلون ويخرجون والأبواب مفتوحة والنفوس .. متطايبة والقلوب جذلى بشواهد الحب والوئام .. والموسيقى تنساب طربة جذلى رقراقة ويشوشنا عبير الطيوب الفائحة من ثياب المعيّدين..
يطوف البنات الصغيرات في الحيً بأكوام اللحم للجيران .. الكلٌ ذابح قربانه ويتم تدوير الكيمان .. فلا حاجة ولا احتياج وذاك سودان ١٤ أبريل ٢٠٢٣ أو إن شئت الدقة فسودان الإنقاذ (سودان الكيزان- أو دولة 56 الحبيبة) ..
مرت علينا أعياد كئيبة رتيبة ٢٠٢٣، ٢٠٢٤ و ٢٠٢٥
وما زال بعض من خيار أهل السودان في منافي الشتات الاختياري .. بعيداً عن الأهل ولمٌات الأعياد وأنا منهم ولكن المسيكين غربته طالت .. ثلاثون عاماً حسوماً ..
وسنٌار موعدنا وإن طالت بنا الطيٌلُ ..
أفطرنا .. طعاما هنيئاً ولحماً طريٌاً من أرض الصومال .. لا أدرى أهي من شماله المدنّس بدويلات الشر أم من جنوبه البهي مقديشو وما حولها .. وهذا صار شائعاً في الخليج بسبب صغر الحجم والسعر المناسب فخروف الهدي عادة يكون في حدود ٥٠٠ ريال
أما في سودان الخير والبركة فأسعار الخراف تترواح بين مائتين إلى أربعمائة دولار (٧٠٠ إلى ١٤٠٠ من الوحدات النقدية السودانية mega units أو ما يعادل ٧٥٠ إلى ١٥٠٠ ريال سعودي) .. ويشيع تجار الماشية أن التصدير تعثّر هذا العام والأسعار هادئة وكله ترويج مضل ففي الفترة من يناير وحتى مايو ٢٠٢٦ .. صدّرنا ١٢٨ ألف رأس من الخراف السودانية إلى السعودية..
بعد أن فرغنا من طعامنا .. جاءت القهوة تتهادي في ثيرموس بهي .. نصفه الأسفل أسود ملوكي وأعلاه وعروته وخرطومه وأثافيه الثلاث مذهبات يلمعون .. فسألني الصغير نكبّ ليك جبنة .. فقلت والجبنة هي وعاء القهوة فسميت به من باب الاستعارة .. وهي إناء فخاري كبدي/ طوبي اللون وهي مستديرة كالجمجمة .. لذا سمّيت زيانة الرأس وإزالة كل الشعر بالجبنة .. وهو تشبيه للرأس الحليق بذاك الوعاء الفخّاري .. ولربما وصف واصف الرأس الكبير بالفاخورة..
وإني لوددت أنّ تلك الفاخورة العائدة لحضن الوطن قد زيّنت جبنةً في أرض منى والخيف
وعيدنا هذا قد جاء في صبنة برهانية من العمليات النشطة .. وقد حُصرت مليشيا اللصوص في أطراف السودان وهامشه ..
وسوف ينتصر السودان مهما تعثّرت الأقدام وتطاولت السنون ووجفت قلوب الواجفين خوفاً من المليشيا ومَن وراءها .. وتبّاً لهم..