من نشوة التمرد والتمدد إلى قلق السقوط …. سيكولوجيا العنف والانفصال العاطفي في حرب السودان

عبدالعزيز يعقوب-فلادليفيا
ayagoub@gmail.com
١ يوليو. ل ٢٠٢٦

لم تعد المعضلة المركزية في حرب السودان محصورة في الخرائط العسكرية أو موازين السيطرة، بل أصبحت كامنة في التحولات النفسية التي تصيب أفراد مليشيا الدعم السريع حين ينتقلون من نشوة التمدد إلى هواجس الانكماش. في هذه اللحظة، لا تتغير مسارات العمليات العسكرية فقط، بل يعاد تشكيل إدراك الجماعة المسلحة لذاتها، وللآخر، وللمجتمع الذي تتحرك داخله.

ورغم الكلفة الإنسانية الباهظة للحرب، فإن الدولة السودانية لم تنهَار بالصورة التي افترضتها المليشيا المسلحة ومن راهن معها على حسم سريع للصراع. فبعد الصدمة الأولى التي أصابت مؤسسات الدولة، استعادت تدريجيًا قدرًا معتبرًا من تماسكها العسكري والسياسي والدبلوماسي، مدفوعة بقدر مهم من الالتفاف الشعبي حول فكرة الدولة الوطنية. في المقابل، بدأت بنية المليشيا نفسها تواجه ضغوطًا متزايدة مع تحول موازين القوة وتراجع فرضيات الحسم السريع التي صاحبت بدايات الحرب.

في المراحل الأولى، منحت السيطرة الميدانية السريعة قيادة المليشيا ومقاتليها تصورًا بأن ميزان القوة قد حُسم نهائيًا، وأن سقوط الدولة مسألة وقت. في مثل هذه السياقات، يتحول النجاح العسكري في وعي الجماعات المتمردة من إنجاز ظرفي إلى دليل متخيل على شرعية المشروع السياسي. ويبدأ السلاح في التحول من أداة إلى مرجعية للهوية والشرعية معًا، بما يخلق خلطًا مبكرًا بين القوة والحق.

وتصف أدبيات الحروب الأهلية هذه الحالة بما يُعرف بـ”نشوة الهيمنة”، حيث تتقلص المسافة بين امتلاك القوة والاعتقاد بامتلاك الشرعية، حتى تكاد تختفي. غير أن هذا الوعي، القائم على افتراض استمرار التوسع، يواجه اختبارًا قاسيًا حين تتغير موازين الحرب، فتبدأ الجماعة المسلحة في الانتقال من منطق القوة الصاعدة إلى منطق الجماعة المهددة.

في هذه المرحلة يتغير إدراك الفاعل المسلح للبيئة المحيطة به. فالمجتمع الذي كان يُنظر إليه كحاضنة محتملة يتحول إلى عنصر في معادلة الصراع. ويتسع نطاق الشك، وتضعف القدرة على التمييز بين الخصم العسكري والمجال المدني، بما يؤدي إلى إعادة تعريف العنف خارج حدوده العسكرية التقليدية.

ومن هذا المنظور، يمكن فهم أنماط العنف المفرط في مناطق مثل الفاشر وشمال كردفان بوصفها ليست مجرد امتداد للمواجهة العسكرية، بل تعبيرًا عن تحول أعمق في علاقة الجماعة المسلحة بالمجتمع. فمع تراجع رهانات الحسم السريع، يتراجع أيضًا التصور السابق للمجتمع كحاضنة، ليحل محله إدراك جديد يقوم على “العزلة الشعورية” أو الانفصال العاطفي عن المجال الاجتماعي. في هذا السياق، يفقد المدني موقعه كفرد مستقل، ويعاد تعريفه كعنصر في بيئة يجب ضبطها أو إخضاعها أو توظيفها، بما يسمح بتمدد العنف من المجال العسكري إلى المجال الاجتماعي.

عند هذا المستوى، لا يعود العنف وسيلة لتحقيق أهداف سياسية مباشرة، بل يتحول إلى أداة لتعويض تآكل النفوذ والقدرة على الإقناع. فكلما تراجعت القدرة على إنتاج الشرعية، ازداد الاعتماد على الإكراه، بما يجعل العنف جزءًا من إدارة المجال الاجتماعي لا مجرد أداة في ساحة القتال.

هنا يكتشف المجتمع أن القوة التي خرجت من داخله أو ادعت تمثيله قد انفصلت عن منطقها الاجتماعي والأخلاقي، وانخرطت بالكامل في منطق الحرب. وفي هذا المنطق، يتراجع التعاطف، وتضعف الحدود الإنسانية، ويعاد تشكيل العلاقة بين الإنسان والعنف خارج سياقها الطبيعي.

وقد أظهرت تجارب حروب أهلية متعددة هذا النمط؛ إذ بدأت جماعات مسلحة بخطابات سياسية أو تحررية، لكنها انتهت، مع امتداد الصراع، إلى إنتاج مستويات عنف واسعة ضد المجتمعات نفسها التي ادعت تمثيلها. ولا يتعلق الأمر بمقارنة الحالات، بقدر ما يتعلق برصد نمط متكرر حين تتحول الحرب من وسيلة سياسية إلى بنية قائمة بذاتها.

وتتخذ الحالة السودانية خصوصيتها من كون الحرب لم تنشأ بين دولتين، بل من تمرد قوة مسلحة كانت جزءًا من المنظومة الأمنية على الجيش الوطني، ثم نجحت في تحقيق تمدد سريع داخل عدد من المدن. هذا التمدد خلق تصورًا مبكرًا بإمكانية إعادة تشكيل الواقع بالقوة، غير أن تحول موازين الحرب لاحقًا وضع هذه التصورات تحت ضغط مباشر، وأدخل الجماعة المسلحة في مرحلة جديدة يصبح فيها الخوف من فقدان المكتسبات أكثر حضورًا من نشوة تحقيقها.

في هذا السياق، لا يعيد العنف إنتاج أثره على الضحايا فقط، بل يعيد تشكيل البنية النفسية والسياسية لمن يمارسه. فالجماعات المسلحة التي تطول إقامتها داخل الحرب تميل تدريجيًا إلى إعادة تعريف العالم عبر ثنائية صارمة: الولاء أو العداء، بما يقلص المساحة الوسطية التي تقوم عليها الحياة الاجتماعية والسياسية.

إن أخطر ما تنتجه الحروب ليس تدمير البنية المادية للدولة، بل إعادة تشكيل العلاقة بين القوة والمعنى. فعندما يتحول السلاح من أداة إلى مصدر للشرعية، يصبح التراجع العسكري تهديدًا وجوديًا للجماعة المسلحة، لا مجرد خسارة ميدانية. عندها يغدو تصعيد العنف محاولة لتعويض الانكسار السياسي والنفسي بقدر ما هو تعويض للخسارة العسكرية، بما يدفع إلى دائرة مغلقة تصبح فيها القوة غاية في ذاتها.

وفي نهاية المطاف، لا تُقاس نتائج الحروب بما تحققه من انتصارات عسكرية فقط، بل بما تتركه من أثر في البنية الإنسانية والاجتماعية. فالدول قادرة على إعادة بناء ما تهدمه الحرب من عمران ومؤسسات، لكنها تواجه تحديًا أعمق في إعادة ترميم الثقة، وإحياء الإحساس بالمصير المشترك، واستعادة الفكرة الأساسية التي تقوم عليها الدولة: أن القوة وُجدت لحماية المجتمع لا لإخضاعه.

تُظهر التجربة السودانية حتى الآن أن الجماعات المسلحة قد تنجح في فرض وقائع ميدانية مؤقتة، لكنها تعجز عن إنتاج شرعية مستقرة ما لم تنفتح على المجتمع وتعيد تعريف علاقتها به. فحين يتحول السلاح إلى هوية، والحرب إلى شرط للبقاء، تبدأ لحظة السقوط النفسي قبل السقوط العسكري. وهي لحظة تتجلى فيها حقيقة متكررة في تاريخ الصراعات وهي أن القوة التي تنفصل عن المجتمع تفقد قدرتها على الاستمرار، حتى وإن بدت متماسكة عسكريًا.

وبذلك، لا تقوم استدامة الدول على تفوقها العسكري وحده، بل على قدرتها المستمرة على إعادة إنتاج شرعيتها، وتجديد عقدها الاجتماعي، وربط القوة بالقانون، والسلطة بالمصلحة العامة. فحين تظل هذه المعادلة فاعلة، تبقى الدولة أكثر قدرة على تجاوز الأزمات من أي جماعة تجعل من السلاح بديلاً عن السياسة، ومن الإكراه بديلاً عن الشرعية.

Exit mobile version