من سد مروي إلى خلق اقتصاد الفرص: قصة هيئة تطوير الزراعة

عادل الرفاعي أبوالحسن

حين نتحدث عن تجربة هيئة تطوير الزراعة في منطقة سد مروي، فإن البداية تكون من وحدة تنفيذ السدود (سد مروي)، التي تعاملت مع السد باعتباره نقطة انطلاق لمنظومة تنموية متكاملة، تتجاوز توليد الكهرباء إلى تهيئة البيئة للإنتاج و الاستثمار.

امتدت هذه الرؤية إلى الطرق و الجسور، و الأراضي الزراعية المجهزة، و شبكات الري، و مناطق الاستثمار، و مطار مروي الدولي، و قرية الصادرات، و شبكة الطرق التي تربط المنطقة بالأسواق و ميناء بورتسودان. و هكذا أصبحت البنية الأساسية أساساً لنمو منظومة اقتصادية متكاملة.

و في هذا السياق جاءت هيئة تطوير الزراعة بدور استراتيجي واضح: استثمار البنية الأساسية التي أنشأها المشروع، و الاستفادة من الأراضي الزراعية و مياه النيل و المياه الجوفية، و جعل المنطقة أكثر جاذبية للاستثمار، من خلال إقامة مشروعات نموذجية لمحاصيل مختارة ذات قيمة اقتصادية عالية و طلب عالمي مستمر أو متزايد.

من التجربة إلى المعرفة:

استقطبت الهيئة خبرات متخصصة في التربة و الأسمدة و التقاوي و العمليات الزراعية و البطاطس، و استفادت من التجارب العالمية. كما أسهم الاتفاق السوداني ـ الفيتنامي في إدخال خمسة محاصيل جديدة إلى دائرة التجربة.

و أثمرت التجارب عن نجاح زراعة الأرز و الأرز البسمتي، و فول الصويا، و الذرة الشامية، و الفول السوداني ذي الحبة الكبيرة (الجامبو)، إلى جانب أعلاف جديدة، من بينها (أبو ستين)، و البرسيم التجاري المخصص للتصدير.

و في مجال تغذية النبات، توسعت الهيئة في استخدام سماد DAP و تحسين كفاءة العناصر الغذائية، و نشرت أنظمة الري المحوري بين المزارعين و المستثمرين.

و امتدت التجربة إلى النخيل، من خلال برامج للعناية به و تدريب مجموعات في الولاية الشمالية و ولاية نهر النيل، و الاستفادة من سعف النخيل في صناعة الأثاث.

و من أهم التجارب الانتقال إلى التروس العليا و المناطق الصحراوية. فالمياه الجوفية كانت معروفة و موجودة، و قامت الهيئة بتحويل هذه المعرفة إلى تطبيق عملي من خلال حفر الآبار و تحديد أعماقها و كميات المياه المتاحة، و تحليل المياه و التربة و طبقاتها في الأعماق المختلفة. و أكدت النتائج كفاية المياه و صلاحيتها للري و توافقها مع التربة و المحاصيل، مما أثبت عملياً أن المنطقة تمتلك مقومات الزراعة الناجحة و إمكانات التوسع في زراعة محاصيل متنوعة.

مشروعات متكاملة تصنع القيمة:

لم تتوقف التجربة عند إنتاج المحاصيل، بل انتقلت إلى بناء مشروعات تربط الإنتاج بالتصنيع و التخزين و السوق. و يأتي مشروع توطين تقاوي البطاطس (ذهب مروي) في مقدمة هذه المشروعات. فقد جمع بين إنتاج التقاوي و العمليات الزراعية و التخزين و التجهيز، مع إنشاء مخزن تبريد متخصص و متابعة فنية أكدت مطابقة الإنتاج للمواصفات و خلوه من الأمراض، مما فتح المجال أمام فرص التصدير.

ثم جاء مشروع دواجن النيل كنموذج للصناعة المتكاملة، يبدأ من مشروع الجدات، و يمر بأمهات دجاج البيض و أمهات فروج اللحم، وصولاً إلى إنتاج بيض المائدة و لحوم الدواجن. و هدفت الرؤية إلى توطين هذه السلسلة داخل السودان، ثم التوسع في الأسواق الإقليمية، مع التعاون مع شركة أوروبية رائدة لتأسيس المشروع و نقل الخبرة.

و في مجال السكر، اكتملت دراسة مشروع إنتاج السكر من البنجر السكري و أصبح مهيأً للتنفيذ. تقوم فكرته على ربط المواطنين المستقرين في أمري و الحامداب بالإنتاج من خلال جمعيات تعاونية تزرع البنجر، ثم تورده إلى المصنع وفق ترتيبات تعاقدية تحقق مصلحة المزارع و المصنع، لتتحول الأرض و الإنتاج و التصنيع إلى منظومة اقتصادية واحدة.

كما اكتملت دراسات مشروعات أخرى، من بينها الزراعة النسيجية للنخيل و الموز، و إنشاء مركز لإكثار و تنقية البذور يخدم السودان كله و محيطه الإقليمي، و إنتاج الألبان و مشتقاتها. و امتدت الرؤية إلى الثروة السمكية في بحيرة سد مروي، مع النظر إلى المجال الاقتصادي لبحيرة النوبة، بهدف تطوير الإنتاج و خلق مصادر دخل جديدة للمجتمعات حول هذه الموارد.

من المعرفة إلى الجاهزية الاستثمارية:

ربما كانت أهم ثروة خلفتها التجربة هي المعرفة المتراكمة.. فمع كل تجربة تراكمت معرفة بمواعيد الزراعة، و الأصناف المناسبة، و معدلات التقاوي، و برامج التسميد، و احتياجات المياه، و أساليب الإنتاج و التخزين. و هذه المعرفة أصل اقتصادي؛ لأنها تقلل تكلفة التجربة و الخطأ، و تختصر الطريق أمام المستثمر، و تجعل القرار الاستثماري أكثر وضوحاً.

و هنا تأتي الجاهزية الاستثمارية كواحدة من أهم واجبات الدولة الاستراتيجية: أن تكون الفرصة جاهزة بالمعلومات قبل أن يصل المستثمر. فلكل أرض ملف واضح، باللغة العربية و الإنجليزية، يحدد موقعها و مساحتها و طبيعة تربتها، و المحاصيل المناسبة لها، و احتياجاتها من الأسمدة و برامج التسميد، و مصادر المياه و أعماق الآبار و كمياتها، و Static Water Level و Dynamic Water Level، و نتائج تحليل المياه، و طبقات التربة في الأعماق المختلفة، بما يساعد على تحديد أعمال الحفر و معدات الضخ و التكلفة و الجدوى الاقتصادية.

و بهذه الطريقة يصل المستثمر إلى السودان و هو أمام خريطة استثمارية واضحة: ماذا يزرع، و أين يزرع، و كم يزرع، و ما احتياجات المشروع، و كيف ينتج و يصنع و يسوق.

و تقتضي هذه المنظومة أيضاً تطوير بنك التقاوي و تحديثه، و إنشاء متحف للتربة، و مراكز أو متاحف زراعية تحفظ العينات و التجارب و المعرفة المتراكمة. و سواء كانت هذه المنشآت مركزية أو موزعة على الولايات، فذلك أمر يحدده المختصون بعد الدراسة و مناقشة ما يحقق المصلحة الوطنية، وفقاً لتنوع الموارد و المحاصيل و إمكانات الدولة، على أن ترتبط جميعها بمنظومة معلومات وطنية متكاملة.

فالاستثمار ليس بداية المنظومة، بل ثمرة لها. و كلما كانت المعلومات جاهزة و موثوقة و سهلة الوصول، أصبح الانتقال من الفرصة إلى القرار الاستثماري أسرع و أكثر ثقة.

الدولة تهيئ الفرصة:

هنا تتجاوز تجربة هيئة تطوير الزراعة حدودها لتقدم معنى أوسع للدولة الاستراتيجية.. فمن أوجب واجبات رجل الدولة و الدولة الاستراتيجية أن تنشغل بصناعة الجاهزية و تأسيس اقتصاد الفرص: أن تجهز الأرض، و المعلومات، و الدراسات، و البنية الأساسية، و المؤسسات، و البيئة التي تجعل آلاف المشروعات ممكنة. هذه هي المهمة التي تبني المستقبل، و هذا هو الواجب الذي يسبق الانشغال باقتسام مشروع ناجح لأنه قائم و يحقق دخلاً.

و هذه المشروعات التي أنشأتها الدولة ضمن رؤية متكاملة تمثل أصولاً وطنية للأجيال. لذلك تحتاج إلى المحافظة على تكاملها، و تطويرها، و البناء عليها، بعيداً عن التجزئة و التشتيت و تحويلها إلى غنائم تتوزع بين الجهات و الأفراد.

بعد ذلك يأتي القطاع الخاص بالتمويل و الإدارة و التكنولوجيا و الأسواق. يبدأ الإنتاج، ثم التصنيع، ثم التصدير، فتتولد العوائد و تتوسع الاستثمارات و تفتح استثمارات جديدة.

و هنا تكتمل الرحلة من سد مروي إلى خلق اقتصاد الفرص: مشروع كبير أنشأ البنية الأساسية، و هيئة حولت الإمكانات الزراعية إلى تجارب، و التجارب إلى معرفة، و المعرفة إلى مشروعات جاهزة، و المشروعات إلى فرص استثمارية.

و هذا هو جوهر الدولة الاستراتيجية: أن تبني البيئة التي تجعل الاستثمار ممكناً، و تحفظ المعرفة، و تهيئ الفرص، ثم تترك للقطاع الخاص توسيع دائرة الإنتاج و التصنيع و الأسواق.

فكل أرض تُعرف إمكاناتها، و كل مورد تُستكمل دراسته، و كل تجربة تُحفظ معرفتها، يمكن أن تصبح فرصة، و كل فرصة يمكن أن تتحول إلى استثمار، و كل استثمار يمكن أن يفتح فرصاً جديدة.

من هنا تتجاوز تجربة سد مروي و هيئة تطوير الزراعة حدودها الزمنية و الجغرافية؛ لأنها تقدم نموذجاً للانتقال من الإرادة إلى الرؤية، و من الرؤية إلى التنفيذ، و من التنفيذ إلى المعرفة، و من المعرفة إلى الفرصة، و من الفرصة إلى اقتصاد يخلق الفرص.

هكذا تبدأ الدولة الاستراتيجية بمشروع، و تبني حوله منظومة، و تنتج منه معرفة، و تحول المعرفة إلى فرص، و الفرص إلى استثمار، و الاستثمار إلى اقتصاد قادر على خلق فرص جديدة.

Exit mobile version