كـررى وشيكـان بين الذكـرى والنسيان

محجوب فضل بدري

كتب الدكتور صلاح البندر مقالاً كبيراً رصيناً وممتعاً بمناسبة مرور 128 عاماً على معركة كررى التي وقعت

في 2 سبتمبر 1898م، فى منطقة كـررى شمال أم درمان، وهي تعتبر  المعركة الحاسمة بين جيش الدولة المهدية بقيادة الخليفة عبد الله التعايشي، ضد القوات الغازية التي وضعت بلادنا تحت الحكم الثنائي البريطاني المصري وكانت الحملة بقيادة الجنرال هربرت كتشنر.

وقد أبلىٰ جيش المهدية بلاءً حسناً قبل أن تتغلب عليه الأسلحة الحديثة وتحصد مدافع المكسيم أرواح الأبطال الصناديد، مما اضطر معه تشرتشل على الاعتراف في كتابه “حرب النهر” بشجاعة جيش المهدية وعزيمتهم وإيمانهم بقضيتهم.(والفضل ماشهدت به الأعداءُ)

كتب د.صلاح البندر في مقاله المذكور (لا أجدني في حاجة لكي أثبت بطولة أولئك الرجال الذين نافحوا عن أرضهم وعرضهم ودينهم، ولا نخون أولئك الشهداء إذا قلنا إنهم هُزموا) .

لكن ذلك لا يمنع من الاعتراف بأننا نحتفل بهذه الهزيمة التي مُنِىَ بها جيش المهدية دون امعان النظر في أسباب تلك الهزيمة وما تبعها من استباحة للحرمات، والملاحقة حتى قُتِل الخليفة في معركة أم دبيكرات بالقرب من كوستى .

الشاعر المُجيد عبد الواحد عبد الله يوسف صاغ قصيدته البديعة التى منحتنا نصراً معنوياً مستحقاً لكن أبياتها لا تصمد أمام حقائق التاريخ المجردة من العواطف، فهو يقول مثلاً: (كرري تحدث عن رجالٍ كالأسود الضارية) وهذا القول المجازي هو الأقرب إلى الحقيقة.

(خاضوا اللهيب) نعم. بلا أدنى شك (وشتتوا كتل الغزاة الباغية) لا. ليس هذا صحيحاً، فالجيش الغازي لم يتشتت بل تقدم وانتشر وتغوَّل واستباح أم درمان أولاً ثم سائر بلادنا وأجهز على الجرحى وانتهك حرمة الموتى وفعل الافاعيل.

(ما لان فرسان لنا)  هذا القول صحيح تماماً.(بل فَرَّ جمعُ الطاغية) لا. غير صحيح. فهذا ما لم يحدث، بل قد حدث العكس. ولم يُرِد البندر  أن يحاكم القصيدة الرائعة والتي زادها الفنان الكبير محمد وردي بألحانه وصوته حُسناً على حُسن، لكنه تساءل أن كان من المنطق أن نتعامل معها ونُسلِم بما جاء فيها من الشعر العذب السلسال وكأنه هو الحقيقة، ثم يقول البندر لماذا لا نُولي اهتمامنا للهزيمة  الساحقة الماحقة التى ألحقها جيش المهدي بجيش هكس في غابة شيكان قبل معركة كررى ب 15 عاماً . فلقد كان ذلك نصراً باهراً تحقق بفضل التخطيط الدقيق، والتنفيذ الصارم للخطة والعمل الأستخباري الذى سَاقَ به جيش المهدي،جيش العدو سَوْقاً إلى الكمين أو (أرض القتل) ومن قبل ذلك،أنهك الأنصار جيش هكس وطمروا آبار المياه في طريق جيش هكس الغازي وباعدوا بينه وبين خطوط امداده بالمناوشات، والأعمال التعرُّضية والاستطلاع وتقدير الموقف وكل ماتتطلبه الحرب، ووضع المعلومات الدقيقة التي وفرتها عناصر المخابرات في صلب الخطة القابلة للتعديل متى ما تَطَلَّب الأمر.  فكان نجاح الخطة الكلية بفضل الله أولاً ثم بالايمان الذي حازت عليه دعوة المهدي.  لكن  ظروف دولة المهدية قد تغيَّـرت تحت قيادة الخليفة التعايشي وتعددت المعارضة لحكمه من كل النواحي الأجتماعية أو الدينية أو التنافس على الحكم. الذى أرتكب الخليفة بسببه الكثير من الانتهاكات والفظائع، ثم جاءت المجاعة التى عمَّت البلاد، وزلزلت أركان  الحكم، وهذا لا يعني أن جيش المهدية لم يضع الخطة المناسبة للقاء الجيش الغازي لكن الخطة فشلت رغم بسالة الرجال وإيمانهم بالقضية، واستماتتهم في القتال، وفق الخطة إذ لم يكونوا مجرد دراويش يحملون الحِراب فى مواجهة أسلحةٍ حديثة، ومن هنا جاءت المقارنة ورغم الحساسية التي تكتنف الحديث في هذه الجزئية بين أنتصارنا في شيكان والذي لا نحفل به كما يجب، وهزيمتنا في كرري والتي نجدد ذكراها كل عام بكل فخر !!

يغوص المقال في الدروس المستفادة والتي فطنت لها بريطانيا واستفادت من  الأخطاء التي وقعت في معركة شيكان فوضعتها قيد النظر عند تخطيطها لحملة استعمار السودان وهذا ما لم يفعله جيش المهدية في كرري!!

ومن الضروري أن نسقط حالتي شيكان وكرري على خط سير حرب الكرامة،أو عند التعامل مع المعارضة المدنية فالجنجويد غزاةٌ مرتزقة بيد دويلة الأمارات مخلب القط لدول الاستكبار والصهيونية العالمية، والمعارضة المدنية ليست ببعيدة عن ذات الدويلة، وشعبنا يعرف كيف يفرق بين الغثِّ والسمين، وهو يلتفّ حول جيشنا الباسل حامي حمى الوطن .

التحية والمجد للشهداء، الذين ارتقوا فى سبيل الله والدين المجيد.

Exit mobile version