من داخل صوماليلاند: رئيس الصومال ورسائل السيادة وتحدّي التفكيك
Mazin
عمار العركي
▪️تأتي زيارة الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود إلى لاسعنود بوصفها خطوة سيادية تتجاوز دلالتها المحلية، لتلامس جوهر الصراع على الدولة في القرن الإفريقي، في توقيت تتقاطع فيه الأزمات من مقديشو إلى الخرطوم. ▪️ولا يمكن قراءة هذه الزيارة بمعزل عن الأزمة الداخلية التي تعصف بالنظام الفيدرالي الصومالي، خاصة مع تهديدات بونتلاند بالانسحاب، إذ يبدو المشهد وكأن الدولة الصومالية تخوض معركتين متوازيتين: الأولى لإعادة ضبط العلاقة بين المركز والأقاليم، والثانية لقطع الطريق أمام مشاريع التفكيك المدفوعة إقليميًا. ▪️وفي هذا السياق، تبرز لاسعنود بوصفها رسالة سياسية واضحة مفادها أن وحدة الدولة ليست محل مساومة، وأن الشرعية تُبنى على الأرض، لا عبر غرف التفاوض أو مسارات الاعتراف الخارجي. ▪️وفي خطوة رمزية ذات دلالات استراتيجية، استقبل رئيس الوزراء الصومالي حمزة عبدي في لاسعنود سفراء السعودية وتركيا والسودان، في رسالة مباشرة للقوى الداعمة لمشاريع التقسيم في الإقليم، مفادها أن لا وجود لكيانات موازية خارج إطار الدولة الصومالية، وأن محاولات شرعنة التفكيك عبر اعترافات جزئية أو توظيف سياسي للمناطق المتنازع عليها لن تمر. ▪️كما تعكس هذه الخطوة تقاطعًا واضحًا في مواقف الرياض وأنقرة والخرطوم حول أولوية دعم الدولة المركزية، ورفض إدارة الأزمات عبر الفواعل المحلية أو المشاريع الانفصالية، سواء في الصومال أو في الساحة اليمنية التي شهدت محاولات مماثلة لإعادة إنتاج كيانات موازية. ▪️هذا المشهد الصومالي ينعكس مباشرة على الحالة السودانية، حيث يتكرر النموذج ذاته بصيغ مختلفة: إضعاف المركز، وتضخيم دور الفواعل المسلحة، ومحاولة فرض أمر واقع جغرافي وسياسي يخدم أجندات إقليمية تتجاوز حدود الدولة الوطنية. فكما شكّل مشروع “أرض الصومال” مدخلًا لتدويل الأزمة الصومالية، تحوّلت مليشيا الدعم السريع في السودان إلى أداة لإعادة هندسة المشهد السياسي والأمني، بما يهدد وحدة الدولة ويضرب عمقها السيادي. ▪️وتبرز هنا أهمية البعد التركي–السعودي في مقابل مقاربات أخرى في الإقليم. فتركيا، الحاضرة بقوة في الصومال عبر دعم الجيش وبناء المؤسسات، تتقاطع رؤيتها مع السعودية في أن استقرار الدول المركزية المطلة على البحر الأحمر شرط أساسي لأمن الملاحة والتوازن الإقليمي. في المقابل، تُظهر الوقائع أن بعض المقاربات الإقليمية تميل إلى الاستثمار في الكيانات المحلية وشبه المستقلة، سواء عبر الموانئ أو الفواعل المسلحة، ما يجعلها عامل اضطراب في معادلات الاستقرار، في الصومال كما في السودان. ▪️وفي هذا السياق، لم يعد البحر الأحمر مجرد ممر مائي، بل تحوّل إلى ساحة صراع مكتملة الأركان. فالموانئ، من بربرة إلى بورتسودان، باتت أدوات ضغط جيوسياسي تُستخدم لإعادة توزيع النفوذ وفرض معادلات جديدة خارج إرادة الدول. ▪️وعليه، فإن وصول القيادة الصومالية إلى لاسعنود يحمل دلالة تتجاوز الداخل الصومالي، ليصبح رسالة إقليمية واضحة: أن الدولة العائدة إلى شمالها هي ذاتها الدولة التي ترفض أن تكون سواحلها أو أراضيها منصة لمشاريع التقسيم أو الحروب بالوكالة. وهي رسالة يجد فيها السودان صدى مباشرًا، في معركة واحدة وإن اختلفت الجبهات. ▪️هنا، لا تعلن الصومال فقط نهاية وهم الانفصال في لاسعنود، بل تضع نفسها – ومعها دول المركز في الإقليم – أمام خيار واضح: إما دولة قوية متماسكة تتحكم في قرارها وسواحلها، أو فراغ سيادي تتحكم فيه المليشيات والموانئ المؤجرة والتحالفات العابرة للحدود. والفرق بين الخيارين… معركة لم تُحسم بعد. خلاصة القول ومنتهاه: ▪️ما يجري في الصومال اليوم، من لاسعنود إلى بونتلاند، ليس شأنًا داخليًا معزولًا، بل إنذار استراتيجي مبكر للسودان. فالصراع الحقيقي في الإقليم لم يعد بين دول، بل بين نموذج دولة مركزية متماسكة، ونموذج تفكيك يعتمد على الأقاليم والمليشيات والموانئ والاعترافات الجزئية. ▪️إن حماية البحر الأحمر لا تبدأ من المياه، بل من اليابسة؛ من تثبيت سلطة الدولة الوطنية على أراضيها وموانئها، وقطع الطريق أمام أي قوى توظف الفواعل المحلية لإعادة هندسة الجغرافيا السياسية. والسودان، بحكم موقعه وثقله، مطالب اليوم برؤية أمن قومي شاملة تُدار فيها ملفات الحرب والموانئ والعلاقات الإقليمية من غرفة استراتيجية واحدة، لأن معركته – كما الصومال – ليست على السلطة فقط… بل على بقاء الدولة نفسها وأمن الإقليم بأكمله.