من المسؤول عن عزل السودان رقمياً؟

محمد الحاج

من زاوية أخرى

من حق المجتمع السوداني أن يطرح سؤالاً واضحاً لا يحتمل المواربة: من صاحب القرار الذي ابتدع فكرة قطع الإنترنت أثناء امتحانات الشهادة الثانوية؟ هذا السؤال ليس مجرد فضول صحفي، بل مطلب وطني مشروع، لأن القرار ألقى بظلاله على حياة ملايين المواطنين، وأدخل البلاد في عزلة رقمية لم يشهد العالم لها مثيلاً. فليس هناك دولة حجبت الإنترنت بسبب الامتحانات سوى السودان، وهو ما يجعل القضية استثنائية في حجمها وتداعياتها.

الأضرار التي ترتبت على هذا القرار تجاوزت حدود قاعات الامتحانات. فقد تعطلت الأعمال، توقفت و الكثير من المعاملات، ارتبكت المستشفيات وشركات الطيران، وانقطع التواصل بين الناس والعالم الخارجي. في زمن أصبح فيه الإنترنت جزءاً لا يتجزأ من البنية التحتية للحياة اليومية، بدا القرار أقرب إلى معاقبة مجتمع كامل بدلاً من معالجة مشكلة محدودة.

وإذا كان الهدف المعلن هو منع تسريب الامتحانات، فإن الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها هي أن الامتحانات في السودان ما زالت ورقية، وأن التسريب يحدث في مراحل الطباعة والتخزين والنقل والتوزيع. هنا يكمن الخلل الحقيقي: غياب منظومة رقابية مهنية تحمي سرية الامتحانات. أما قطع الإنترنت، فهو حل سهل يعكس ضعف الإدارة، ويكشف عن غياب رؤية حديثة لإدارة ملف حساس مثل ملف الشهادة الثانوية.

القضية لم تعد محصورة في نطاق التعليم، بل تحولت إلى شأن عام يمس السياسة والاقتصاد والمجتمع على حد سواء. ملايين المواطنين وجدوا أنفسهم متضررين من قرار لم يُحسب أثره بدقة، في وقت تتكرر فيه القرارات التي تثقل كاهل المجتمع السوداني وتضاعف أزماته. هذا الواقع يضع الدولة أمام سؤال جوهري يتجاوز تفاصيل الامتحانات: كيف تُدار القرارات التي تمس حياة الناس وحقوقهم الأساسية، وما الضمانات التي تكفل أن تكون هذه القرارات مدروسة ومسؤولة بما ينسجم مع مصالح المجتمع؟

الحلول العاجلة ليست مستحيلة. المطلوب هو بناء منظومة رقابية مهنية تبدأ من تأمين مراكز الطباعة، مروراً بمراقبة التخزين والنقل، وصولاً إلى ضبط القاعات بإجراءات واضحة وشفافة. كما أن تشكيل لجنة وطنية مستقلة للتحقيق في أي شبهة تسريب، وإعلان نتائجها للرأي العام، خطوة ضرورية لاستعادة الثقة. فحماية نزاهة الامتحانات لا تتعارض مع حماية حقوق المجتمع، بل تتكامل معها.

في النهاية، تبقى القضية قضية ثقة بين المواطن والدولة. عندما تلجأ الدولة إلى الحلول السهلة، فإنها ترسل رسالة ضعف. وعندما تختار الحلول المهنية الجادة، فإنها تعزز ثقة الناس في مؤسساتها. السودان اليوم أمام مفترق طرق: إما الاستمرار في قرارات تعزل المجتمع عن العالم، أو تبني رؤية حديثة تحترم حقوق المواطنين وتضع التعليم في مكانه الصحيح كركيزة للتنمية الوطنية.

١٩ أبريل ٢٠٢٦ م

Exit mobile version