

بقلم: إدريس هشابة
أن تقوم دولة الإمارات بحشد مجموعات من السودانيين المقيمين على أراضيها، وتنظيم حفلات غنائية دعائية في محاولة لغسل يديها الملطختين بدماء السودانيين، فتلك واحدة من أبشع صور الكوميديا السوداء في هذا العصر.
وأن يحضر بعض السودانيين تلك الحفلات، طوعًا أو تحت وطأة الحاجة والغربة، فذلك أمر يمكن فهمه في سياقات التعقيد الإنساني وضغوط المعيشة. لكن أن يشارك فنانون سودانيون في هذه المسرحية البائسة، وعلى رأسهم طه سليمان وإنصاف مدني وغيرهما، فهنا تتحول المسألة من مجرد حفلات إلى سقوط أخلاقي وخيانة وجدانية صريحة لدماء السودانيين.
الفن ليس صوت وإيقاع وأضواء مسارح.
الفن رسالة نبيلة، وضمير حي، وانحياز صادق لقضايا الناس وآلامهم. والفنان الحقيقي هو من يشعر بوجع شعبه، لا من يرقص فوق جراحه طلبًا للمال أو الشهرة أو الرضا السياسي.
ورغم أنني لم أكن يومًا من المعجبين بتجربة طه سليمان الفنية، إلا أن موقفه خلال الحرب، ببقائه في الخرطوم ومشاركته في دعم التكايا ومساندة المواطنين، كان موقفًا يستحق الاحترام والتقدير. لكن يبدو أن سطوة المال، وإغراء الريالات، وحضن الإمارات الدافئ، أقوى من المبادئ عند البعض، إلى الحد الذي يدفعهم للتراجع عن كل ما أوحوا به سابقًا من انحياز إنساني ووطني.
المضحك المبكي أن طه سليمان نشر مقطعًا ترويجيًا للحفل، يخاطب فيه جمهوره خارج الإمارات بحسرة مصطنعة على بعد المسافات، متحدثًا باسمهم وكأنه يعلم ما في صدورهم، قائلاً إنهم لو استطاعوا الحضور لكانوا معه.
لكن الرد الحقيقي جاء قاسيًا وصادمًا في التعليقات، حيث واجهه كثيرون بحقيقة موجعة: كيف لفنان سوداني أن يغني تحت رعاية دولة تدعم الحرب في السودان، وتمويل وتسليح المليشيات، وتوفير المرتزقة والطائرات المسيّرة التي قتلت الأبرياء وشرّدت الملايين؟
ولو كان لدى هؤلاء المطربين ذرة حياء أو نخوة أو إحساس بالمسؤولية الوطنية، لتوقفوا فورًا عن الرقص فوق أشلاء أبناء وطنهم، ولرفضوا أن يكونوا جزءًا من حملة تجميل سياسي وأخلاقي لدولة مشاركة في مأساتهم.
لكن المشكلة الحقيقية ليست في طه سليمان أو إنصاف مدني وحدهما.
المشكلة فينا نحن، في مجتمع يحتفي بأنصاف المواهب، ويرفع أشخاصًا إلى مرتبة “النجومية” دون أي معايير أخلاقية أو وطنية أو ثقافية حقيقية.
المشكلة في غياب المؤسسات الثقافية القادرة على صناعة وعي فني حقيقي، وعلى ترسيخ فكرة أن الفنان ليس مجرد مؤدٍ للغناء، بل صاحب رسالة وموقف وتأثير.
لقد عرف السودان عبر تاريخه فنانين كبارًا ارتبطت أسماؤهم بالمواقف الوطنية والكرامة الإنسانية، لا بالمصالح ولا بولائم المال السياسي.
الفنان حسن خليفة العطبراوي ، كان صوتًا وطنيًا صادقًا، تغنى للحرية والكرامة في وجه المستعمر نفسه، وردد أغنيته الشهيرة:
“يا غريب يلا لي بلدك”، في حضور المفتش الانجليزي بمدينة الدامر
في موقف ظل حاضرًا في ذاكرة السودانيين بوصفه انحيازًا واضحًا للوطن ضد المستعمر الإنجليزي، حتى أصبحت الأغنية رمزًا للمقاومة الوطنية والشجاعة الفنية.
وكذلك كان محمد وردي نموذجًا للفنان الثوري صاحب الموقف.
قد يختلف الناس أو يتفقون معه سياسيًا، لكن أحدًا لا يستطيع أن يتهمه بخيانة وطنه أو المتاجرة بقضايا شعبه. ظل منحازًا لقضايا الحرية والعدالة، ودفع ثمن مواقفه نفيًا وملاحقة وتضييقًا، ولم يبع صوته يومًا لمن يسيء إلى السودان أو يعبث بكرامة شعبه. نال تقديرًا واسعًا لدوره الإنساني والرسالي، وأصبح رمزًا للفنان الذي يتجاوز حدود الطرب ليصبح ضميرًا لشعبه وأمته.
ولم يكن هؤلاء استثناءً، بل امتدادًا لمدرسة سودانية عظيمة، آمنت بأن الفنان الحقيقي ليس مؤدٍيا للأغاني، وإنما صاحب قضية ورسالة وموقف أخلاقي، يعرف متى يغني، ولمن يغني، ومتى يكون الصمت أشرف من كل المسارح والأضواء.
لهذا تبدو مشاركة بعض الفنانين اليوم في حفلات تقيمها دويلة الشر راعية المليشيا والداعم الابرز للحرب في السودان سقوطًا أخلاقيًا مؤلمًا، ومفارقة قاسية بين جيلٍ غنى للوطن وتحمل الثمن، وجيلٍ آخر اختار أن يغني تحت أضواء المال بينما الوطن ينزف.
إن الفن الذي لا ينحاز إلى الإنسان وقت المأساة، ليس فنًا، بل تجارة رخيصة.
والفنان الذي يغني تحت أضواء ممولي الحرب، بينما وطنه يحترق، لا يحق له أن يتحدث باسم الشعب أو الوطنية أو الوجدان السوداني.
سيذكر التاريخ من وقف مع الناس، كما سيذكر أيضًا من اختار أن يرقص بينما كانت البلاد تنزف.