أحلام محمد إبراهيم
في مفترقات الطرق
واللحظات الحاسمة في تاريخ الأمم لا تُقاس الحكمة فقط بقدرتها على الانتصار في ساحات القتال، بل كذلك بقدرتها على إنهاء أسباب الصراع وفتح نوافذ العودة لمن أراد أن يصحح موقفه وينحاز إلى وطنه.
وفي ظل الحرب التي عصفت بالسودان، وأثقلت كاهل المواطنين بالمعاناة والنزوح والفقد، تبرز قضية في غاية الأهمية: كيف نتعامل مع الذين يقررون مغادرة صفوف التمرد والعودة إلى الصف الوطني؟
إن القرآن الكريم وضع قاعدة أخلاقية وسياسية عميقة في إدارة الصراع حين قال تعالى:
﴿وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ وَإِن يُرِيدُوا أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ ۚ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ۚ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾
هذه الآيات الكريمة تحمل معاني متكاملة وعميقة؛ فهي تدعو أولًا إلى الاستجابة الصادقة للسلام حين تتوفر إرادته، ثم تنبه إلى ضرورة اليقظة وعدم الغفلة عن احتمالات الخداع، ثم ترتقي إلى المعنى الأسمى: أن أعظم صور النصر ليست فقط في الحسم العسكري، وإنما في تأليف القلوب وجمع الصفوف بعد التفرق .. وهذا المعنى هو ما يحتاجه السودان اليوم بشدة.
إن عودة النور قبة، وكل من يراجع موقفه ويغادر صفوف التمرد، ينبغي النظر إليها باعتبارها فرصة لتقليل مساحة الحرب وتوسيع مساحة السلام، متى ما كانت هذه العودة صادقة وواضحة وتنحاز إلى الدولة والوطن.
فالقضية ليست أشخاصاً بعينهم، بل رسالة أوسع لكل من لا يزال داخل دائرة التمرد بأن باب العودة إلى الوطن ليس مغلقًا.
وفي السيرة النبوية درس بالغ الدلالة.
في غزوة أحد، كان خالد بن الوليد قبل إسلامه سببًا رئيسيًا في التفاف المشركين على المسلمين، وهو ما أدى إلى خسائر كبيرة ومؤلمة. ومع ذلك، حين عاد إلى الحق وشرح الله صدره للإسلام، لم يُحاصر بماضيه، ولم يُغلق الباب أمامه، بل أصبح لاحقًا أحد أعظم قادة الأمة، حتى لقبه الرسول صلى الله عليه وسلم بـ سيف الله المسلول.
ذلك لأن الأمم العظيمة لا تبقى أسيرة لحسابات الثأر حين تلوح فرص التصحيح والعودة.
و السودان اليوم بحاجة إلى تقليل عدد البنادق الموجهة إلى صدره، وبحاجة إلى استعادة أبنائه كلما اختاروا الطريق الصحيح.
نحتاج إلى عدالة تحفظ الحقوق، نعم.
لكننا نحتاج كذلك إلى حكمة تمنع استمرار النزيف.
فلا مصلحة للوطن في أن يظل كل من أخطأ محاصرًا بلا طريق للرجوع، طالما أعلن انحيازه للوطن وتخليه عن مشروع التمرد.
وفي هذه المرحلة الحرجة، علينا أن نكون أكثر انحيازًا لمستقبل السودان من انحيازنا لمرارات اللحظة.
فلنغلق أبواب التمرد… ولنفتح أبواب الوطن.