رأي

من القطن إلى القيمة: حكاية صناعة النسيج السودانية من مجد الماضي إلى اقتصاد المستقبل (3-4)

نعمان يوسف محمد

حين نتحدث عن تراجع صناعة النسيج السودانية، غالباً ما ننظر إلى ما فقدناه بالأطنان والملايين: مصانع توقفت، آلات صدئت، إنتاج انخفض، وصادرات تراجعت. لكن هناك خسائر لا تظهر في الميزانيات. فكم أسرة فقدت مصدر دخلها؟ وكم عاملا ماهرا خرج من سوق العمل؟ وكم فنياً أمضى سنوات في تعلم مهنة لم يعد يجد مصنعا يمارسها فيه؟ وكم مدينة فقدت جزءا من نشاطها الاقتصادي؟. لهذا فإن قصة النسيج السوداني ليست قصة مصانع فقط. إنها قصة إنسان ومجتمع واقتصاد محلي تشكل حول الصناعة.

المصنع كان مدرسة:

في الصناعة الحقيقية، لا يبيع العامل ساعات عمله فقط، بل يراكم معرفة تنتقل من جيل إلى آخر. عامل الغزل يتعلم خصائص الألياف والخيوط، والعامل في النسيج يتعلم الآلة وضبط الإنتاج، والفني يتعلم تشخيص الأعطال، والمهندس يطور الكفاءة، والمشرف يتعلم إدارة الناس والإنتاج. وهكذا يتحول المصنع إلى مدرسة مهنية مستمرة.

يمكن شراء ماكينة جديدة، لكن لا يمكن شراء سنوات الخبرة المتراكمة بسهولة. ولذلك فإن توقف المصنع لا يعني فقدان إنتاجه فقط، بل قد يعني فقدان رأس مال بشري يحتاج إلى سنوات طويلة لإعادة بنائه. وهذه إحدى أخطر الخسائر التي ينبغي أن تنتبه إليها عملية إعادة الإعمار.

عندما يصبح المصنع جزءاً من المدينة:

في ود مدني والحصاحيصا والحاج عبدالله وحتى الخرطوم وغيرها، لم تكن مصانع النسيج منشآت معزولة. فقد نشأ حولها اقتصاد واسع من النقل والخدمات والأسواق والورش والموردين والمطاعم والسكن وغيرها. وكان دخل العامل ينتقل إلى أسرته ثم إلى السوق، وكان المصنع يخلق طلباً على خدمات وصناعات أخرى.

لذلك فإن توقف مصنع كبير لا يصيب العاملين فيه وحدهم، بل يمكن أن يمتد أثره إلى المدينة بأكملها. وهذه هي القيمة المضاعفة للصناعة؛ فالوظيفة الصناعية لا تنتج دخلا فرديا فقط، وإنما تحرك سلسلة من الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية حولها.

المزارع والعامل في سلسلة واحدة:

لا تبدأ العلاقة عند بوابة المصنع. فالمزارع والمصنع طرفان في منظومة واحدة؛ نجاح أحدهما يعزز الآخر. المصنع يحتاج إلى القطن، والمزارع يحتاج إلى سوق مستقرة لمحصوله. ومن هنا تكتسب تجربة ارتباط مصنع المناقل باتحاد المزارعين أهمية خاصة، لأنها طرحت مبكرا سؤالا لا يزال صالحاً اليوم: لماذا تنتهي مشاركة المزارع الاقتصادية عند بيع القطن، بينما تتولد القيمة الأكبر بعد ذلك؟

يمكن أن تكون الإجابة في المستقبل من خلال تعاونيات وشركات للمزارعين تستثمر في بعض مراحل التصنيع، فيصبح المنتج الزراعي شريكاً في القيمة التي يصنعها محصوله، وليس مجرد مورد للمادة الخام.

النساء والشباب .. السوق التي تبدأ من ورشة صغيرة:

ولا ينبغي أن تختزل إعادة بناء صناعة النسيج في المصانع الكبيرة. فبين المصنع والمستهلك مساحة واسعة للمشروعات الصغيرة والمتوسطة: الخياطة، والتفصيل، والتطريز، والزي المدرسي والمهني، والمفروشات والتصميم وغيرها. وهنا تظهر فرصة كبيرة للنساء والشباب. فقد لا يحتاج الشاب إلى مصنع كامل كي يبدأ، وإنما إلى مهارة وماكينة وتمويل صغير وتصميم وسوق. وقد تبدأ المرأة من مشروع منزلي صغير ثم تتحول تدريجياً إلى ورشة أو وحدة إنتاج تدخل في سلسلة توريد أكبر.

وبذلك يمكن لصناعة النسيج أن تكون إحدى أدوات تحويل البطالة إلى إنتاج، والعمل الفردي إلى مشروع، والمشروع الصغير إلى صناعة. وهذا البعد يزداد أهمية في السودان بعد الحرب، حيث لا يكفي انتظار عودة الوظائف التقليدية؛ بل يجب خلق مسارات جديدة للعمل والإنتاج والدخل.

عندما تضيع المهارة:

هناك خسارة أخرى أقل وضوحا: انقطاع نقل المعرفة. فعندما يتوقف المصنع سنوات طويلة، لا تضيع الوظائف فقط، بل قد تضيع معه الخبرة التي كان ينقلها العامل القديم إلى العامل الجديد. وإذا خرج جيل كامل من المهنة، يصبح شراء الآلات أسهل من إعادة بناء المهارات اللازمة لتشغيلها.

ولهذا فإن أي مشروع لإحياء صناعة النسيج يجب أن يضع التدريب المهني ونقل المعرفة وإعادة تأهيل الفنيين في قلب عملية إعادة البناء، لا باعتبارها نشاطا مكملا، وإنما باعتبارها جزءا من الاستثمار الصناعي نفسه.

البيئة .. الوجه الآخر للصناعة:

لكن للصناعة وجه آخر لا يمكن تجاهله. فالقطن يحتاج إلى المياه والمدخلات الزراعية، بينما تستهلك مصانع النسيج الطاقة، وتستخدم مراحل الصباغة والتجهيز كميات كبيرة من المياه والمواد الكيميائية. وقد شهدت زراعة القطن في الجزيرة تاريخيا استخداما مكثفا للمبيدات، ارتبط في بعض المراحل بآثار بيئية على المياه والكائنات المرتبطة بها. وهذا يعني أن إعادة بناء الصناعة لا ينبغي أن تكون عودة إلى النموذج القديم بكل ما فيه.

فنحن بحاجة إلى صناعة أكثر إنتاجية، ولكن أيضا أكثر استدامة ..

و يمكن للتكنولوجيا الحديثة أن تجعل كفاءة استخدام المياه والطاقة، ومعالجة الصرف الصناعي، وتقليل المواد الكيميائية، وإعادة استخدام المياه والمخلفات، جزءا من تصميم المصنع منذ البداية. وهذا ليس ترفا بيئيا؛ فالأسواق العالمية تتجه بصورة متزايدة نحو المنتجات وسلاسل التوريد التي تراعي المعايير البيئية، وبالتالي ستصبح الاستدامة نفسها جزءا من القدرة على المنافسة والتصدير.

من المخلفات إلى الموارد:

تفتح صناعة النسيج كذلك بابا مهما للاقتصاد الدائري. فمخلفات القطن والأقمشة لا يجب أن ينتهي بها الأمر دائما إلى النفايات؛ إذ يمكن استخدام جزء منها في الحشو والعزل وبعض المنتجات الصناعية وإعادة تدوير المنسوجات. وهكذا يمكن أن تتحول بعض المخلفات من عبء بيئي إلى مورد اقتصادي، وتصبح كفاءة استخدام الموارد جزءا من ربحية الصناعة نفسها.

صناعة تعيد بناء المجتمعات:

بعد الحرب، يحتاج السودان إلى صناعة لا تنتج السلع فقط، بل تساعد في إعادة بناء المجتمعات. وتتميز صناعة النسيج بقدرتها على الربط بين الريف والمدينة، وبين الزراعة والصناعة، وبين المصنع والمشروع الصغير، وبين المرأة والشاب والسوق. ويمكن لسلسلة تبدأ من مزارع القطن في الجزيرة أن تنتهي بمنتج سوداني يباع في الخرطوم أو بورتسودان أو في الأسواق الأفريقية.

هذه الشبكة من المصالح المشتركة ليست اقتصادية فقط؛ فهي تساعد أيضا على إعادة بناء الثقة والاستقرار، لأن الناس يصبحون مرتبطين بمنظومة إنتاج يستفيد كل طرف فيها من نجاح الطرف الآخر.

لا نعيد الماضي… بل نبني أفضل منه:

ما تعلمناه من تاريخ النسيج السوداني أن إعادة بناء الصناعة لا ينبغي أن تعني استعادة المصانع القديمة كما كانت. المطلوب صناعة أكثر إنتاجية، وأكثر اعتمادا على المعرفة والتكنولوجيا، وأكثر مشاركة للمزارعين والقطاع الخاص، وأكثر قدرة على خلق فرص للنساء والشباب، وأكثر التزاما بالبيئة.

فالهدف النهائي من المصنع ليس تشغيل الآلات، وإنما خلق قيمة للإنسان: دخل أفضل للأسر، وظائف، مهارات، إنتاج، صادرات، وأسواق جديدة. وهنا يمكن أن تصبح صناعة النسيج واحدة من الصناعات التي تجمع بين التعافي الاقتصادي والتنمية الاجتماعية.

من الخسارة إلى الفرصة:

لقد خسر السودان مصانع ووظائف ومهارات وأسواقا وقيمة مضافة. لكن ما تبقى من الأرض والخبرة والسوق والموارد البشرية يمكن أن يشكل أساسا لبداية جديدة. خاصة والميزة اليوم أن التكنولوجيا المتاحة أوسع، والأسواق الإقليمية أقرب، والشباب أكثر حاجة إلى فرص الإنتاج، كما أن تجربة الماضي تمنحنا دروسا ثمينة حول ما نجح وما فشل.

لذلك لا ينبغي أن يكون السؤال: كيف نعيد صناعة النسيج التي كانت؟. بل: كيف نبني صناعة نسيج أفضل مما كانت؟. صناعة تجعل المزارع شريكا، والعامل صاحب مهارة، والمرأة منتجة، والشاب رائد أعمال، والمصنع أكثر كفاءة، والموارد أكثر استدامة، والمنتج قادرا على المنافسة خارج السودان. وهنا تكتمل الفكرة التي بدأت في المقال الأول بالقطن، وانتقلت في المقال الثاني إلى القيمة المضافة، ثم وصلت هنا إلى الإنسان والمجتمع والبيئة.

يبقى السؤال الأخير: كيف نحول هذه الرؤية إلى صناعة سودانية جديدة قادرة على المنافسة؟

فالمطلوب ليس مجرد إعادة تشغيل المصانع، ولا استعادة الماضي، وإنما بناء سلسلة نسيج حديثة تبدأ من القطن، وتصل إلى المنتج النهائي، وتحمل معها قيمة سودانية حقيقية. وهذا هو موضوع المقال الرابع والأخير:

من القطن إلى العلامة السودانية: كيف نعيد بناء سلسلة نسيج تنافسية بعد الحرب؟. فالمستقبل لا يحتاج إلى مصنع نعيد تشغيله فقط، بل إلى صناعة نعيد بناءها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى