من استيراد الخبرة إلى صناعة المعرفة .. كيف تتحول المشروعات إلى مصانع لبناء الإنسان والدولة ؟
Mazin
عادل الرفاعي أبوالحسن
ليست النهضة مجرد إنشاء طرق أو سدود أو مصانع أو مزارع، وإنما هي قبل كل شيء بناء قدرة وطنية قادرة على إدارة تلك الأصول وتطويرها واستدامتها عبر الزمن. فالمشروعات يمكن أن تُنفذ خلال سنوات معدودة، أما المعرفة الوطنية فتحتاج إلى رؤية واضحة، واستراتيجية محكمة، وإرادة مستمرة (العزيمة)، لأنها لا تُشترى جاهزة و لا تُستورد و لا تمنح، بل تُبنى بالتجربة والتدريب والممارسة والتراكم المستمر.
ولهذا فإن الفرق الحقيقي بين الدول التي تحقق نهضتها والدول التي تبقى رهينة التبعية لا يكمن في حجم الموارد التي تمتلكها، وإنما في قدرتها على تحويل مشروعاتها إلى منصات لإنتاج المعرفة وبناء الإنسان. ومن هنا تصبح المعرفة الوطنية أحد أهم الأصول الاستراتيجية للدولة، وربما أكثرها قيمة واستدامة.
المعرفة لا تُستورد… بل تُبنى:
تقع كثير من الدول النامية في خطأ استراتيجي يتمثل في الاعتقاد بأن التنمية تتحقق بمجرد استيراد الخبراء والتقنيات والمعدات. غير أن التجارب الناجحة تؤكد أن الاستفادة من الخبرة الخارجية ليست سوى البداية؛ فالخبرة الحقيقية لا تتكون إلا عندما تنتقل المعرفة إلى العقول الوطنية، وتتحول إلى ممارسة يومية وقدرة ذاتية على التخطيط والتنفيذ والتطوير.
وتمر هذه العملية بثلاث مراحل مترابطة: الاستفادة من الخبرة الخارجية، ثم توطينها، ثم صناعة المعرفة الوطنية. وفي هذه المرحلة الأخيرة فقط تتحول الدولة من مستهلك للمعرفة إلى منتج لها، ومن تابع للخبرات الخارجية إلى مالك لقدراته الذاتية. ولهذا فإن المعرفة لا تتراكم تلقائياً، وإنما تحتاج إلى مؤسسات تحرسها، وسياسات تدعمها، وقيادة تؤمن بأن بناء الإنسان لا يقل أهمية عن بناء المنشآت.
سد مروي… نموذج عملي لبناء المعرفة:
يمكن الاستدلال بتجربة سد مروي بوصفها نموذجاً عملياً يوضح كيف يمكن للمشروعات القومية أن تصبح مدارس وطنية لإنتاج المعرفة، لا مجرد منشآت هندسية. فقد قامت فلسفة التنفيذ على الاستفادة من الخبرات العالمية، مع الحرص في الوقت نفسه على نقل المعرفة إلى الكوادر السودانية عبر المشاركة المباشرة في جميع مراحل المشروع. وشمل ذلك التدريب داخل مواقع العمل، وإشراك الخريجين وطلاب الجامعات، وابتعاث عدد من الفنيين والمتخصصين إلى الخارج للتأهيل في مجالات التوليد المائي، وبناء السدود، وضبط الجودة، والدراسات البيئية، ووسائل الحد من الآثار البيئية. كما امتدت المعرفة إلى مجالات إدارة الموارد المائية، وحصاد المياه، والدراسات البيئية والاجتماعية، وإعادة التوطين، والتنمية المجتمعية، مما أسهم في تكوين كوادر وطنية تمتلك خبرة عملية تراكمية في هذه التخصصات.
وأفرز المشروع كذلك خبرات جديدة في إدارة بحيرات السدود والثروة السمكية، حيث جرى نشر ثقافة الصيد المستدام، والمحافظة على المخزون السمكي، وتأجيل الصيد في المراحل الأولى حتى يكتمل تكوينه الطبيعي، إلى جانب تدريب الكوادر على إدارة المصائد والاستزراع السمكي والدراسات البيئية المرتبطة بالموارد المائية. وامتد الأثر إلى المجال الزراعي من خلال برامج إعادة التوطين والتنمية، التي أسهمت في تطوير خبرات وطنية في إدارة التربة والمياه، وتحسين الإنتاج الزراعي، وتأهيل العمالة في العناية بالنخيل، وتحسين إنتاجيته، والاستفادة الاقتصادية من مخلفاته، بما وفر فرص عمل جديدة ورسخ معارف مهنية مستدامة.
ولم يقتصر الاستثمار على المهندسين والمتخصصين، بل شمل بناء قاعدة واسعة من العمالة الوطنية الماهرة في مجالات البناء، والحدادة، والنجارة، وتشغيل المعدات، والكهرباء، والميكانيكا، والتشغيل والصيانة. وقد أصبحت هذه الكوادر لاحقاً رصيداً وطنياً استفادت منه مشروعات تنموية أخرى داخل السودان، وهو ما يؤكد أن القيمة الحقيقية للمشروع لم تكن في منشآته وحدها، بل في الخبرة التي خلّفها.
نموذج آخر من القاعدة الإنتاجية:
وفي مستوى مختلف، تقدم تجربة بنك فيصل الإسلامي السوداني – فرع الحرفيين نموذجاً آخر لبناء المعرفة، ولكن من داخل القاعدة الإنتاجية للمجتمع. فقد أدى تمليك الحرفيين المعدات والآلات الحديثة عبر التمويل الميسر إلى انتقال كثير من المهن من الأساليب التقليدية إلى مستويات أعلى من الكفاءة والإنتاجية، ومع الاستخدام اليومي لهذه التقنيات تراكمت الخبرة العملية داخل الورش، وانتقلت المعرفة بين الأجيال، وتحولت الورشة إلى مدرسة مهنية تنتج المعرفة بقدر ما تنتج السلع والخدمات. وتؤكد هذه التجربة أن بناء المعرفة لا يبدأ فقط في الجامعات أو المشروعات القومية، وإنما يبدأ أيضاً عندما تتوافر للحرفي الأدوات والفرصة والبيئة التي تمكنه من التعلم والتطور والإبداع.
الخلاصة: تكشف هذه النماذج، على اختلاف حجمها ومجالها، حقيقة استراتيجية بالغة الأهمية: أن المعرفة الوطنية ليست منحة تُعطى، ولا سلعة تُشترى، ولا تقنية تُستورد، وإنما هي بناء تراكمي يبدأ برؤية واضحة، وتدعمه استراتيجية محكمة، وتحرسه إرادة مستمرة (العزيمة)، وتنفذه مؤسسات تؤمن بأن بناء الإنسان هو الاستثمار الأكثر بقاءً. فالدول التي تجعل بناء المعرفة جزءاً من استراتيجيتها الوطنية، وتحمي هذه الاستراتيجية بالإرادة والاستمرار، هي وحدها القادرة على الانتقال من استيراد الخبرة إلى إنتاجها، ومن استهلاك المعرفة إلى صناعتها، ومن الاعتماد على الآخرين إلى بناء قدرتها الذاتية. فالمشروعات الكبرى ليست غاية في ذاتها، وإنما وسيلة لبناء الإنسان، وتوطين المعرفة، وصناعة الخبرة الوطنية. وإذا انتهى المشروع وبقيت المعرفة، فقد بقيت أعظم ثماره؛ أما إذا انتهى المشروع وانتهت معه الخبرة، فإن الدولة ستضطر إلى البدء من جديد في كل مرة. إن النهضة لا تبدأ بالمشروع، بل تبدأ بالإرادة، ثم بالاستراتيجية، ثم بالإنسان الذي يحمل المعرفة ويطورها وينقلها إلى الأجيال اللاحقة. وعندما تصبح المعرفة هدفاً استراتيجياً للدولة، لا أثراً جانبياً للمشروعات، تبدأ النهضة الحقيقية، ويصبح المستقبل امتداداً طبيعياً لما بُني اليوم، لا بداية جديدة في كل جيل.