إعادة تعريف الأمن لدى الدول من منظور منظومي: من حماية الحدود إلى حماية المناظيم .. لماذا أصبح تعريف الأمن التقليدي غير كاف؟
Mazin
دكتور إسماعيل ساتي
شهد العالم خلال القرن العشرين هيمنة نموذج محدد للأمن الوطني، يقوم على افتراض بسيط ومباشر: أن الدولة تكون آمنة إذا كانت قادرة على حماية حدودها، وردع أعدائها، والحفاظ على سيادتها السياسية والعسكرية. وقد تشكلت المؤسسات الأمنية والعسكرية، كما تشكلت النظريات الاستراتيجية الكبرى، على أساس هذا الفهم الذي جعل من القوة العسكرية المعيار الرئيس للأمن.
إلا أن التحولات الكبرى التي شهدها العالم خلال العقود الأخيرة، وما رافقها من أزمات مالية عالمية وأوبئة عابرة للحدود وحروب أهلية وصراعات سيبرانية وكوارث بيئية وانهيارات دولية، كشفت عن قصور جوهري في هذا التعريف التقليدي. فقد أصبح واضحاً أن الدول لا تنهار اليوم بسبب الهزيمة العسكرية وحدها، وإنما قد تنهار بسبب ضعف مؤسساتها، أو تفكك مجتمعاتها، أو هشاشة اقتصاداتها، أو فقدانها القدرة على التكيف مع الصدمات.
ومن هنا، تبرز الحاجة إلى إعادة تعريف الأمن من منظور جديد؛ منظور لا ينظر إلى الدولة باعتبارها مجرد حدود وجيش وحكومة، وإنما باعتبارها منظومة معقدة من البشر والمؤسسات والموارد والعلاقات والقيم، تعمل جميعها بصورة مترابطة ومتشابكة.
الأمن بوصفه خاصية منظومية:
يقوم الفكر المنظومي على فرضية أساسية مفادها أن خصائص المنظومات المعقدة لا يمكن فهمها من خلال دراسة أجزائها بصورة منفصلة، بل من خلال فهم العلاقات والتفاعلات التي تربط هذه الأجزاء بعضها ببعض. وانطلاقاً من هذا الفهم، فإن الأمن ليس مؤسسة ولا قطاعاً ولا وزارة، بل هو خاصية ناشئة تنتج عن كفاءة وتماسك ومرونة المنظومة الوطنية بأكملها. فالدولة التي تمتلك جيشاً قوياً، ولكنها تعاني من الانقسام المجتمعي أو الانهيار الاقتصادي أو ضعف المؤسسات أو فقدان الشرعية السياسية، لا يمكن اعتبارها دولة آمنة بالمعنى المنظومي. وفي المقابل، قد تتمتع دولة محدودة القدرات العسكرية بمستوى عالي من الأمن إذا كانت مناظيمها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والمعرفية تتمتع بدرجة عالية من التماسك والمرونة. وبذلك يصبح الأمن ناتجاً لمنظومة، وليس مدخلاً إليها.
من الدولة الصلبة إلى الدولة المرنة:
ارتبط مفهوم الدولة الحديثة، لفترة طويلة، بفكرة السيطرة والقدرة على فرض النظام. غير أن التجارب المعاصرة أظهرت أن معيار النجاح الحقيقي للدول لم يعد يكمن في قدرتها على منع الأزمات، بل في قدرتها على الصمود والتكيف والتعافي عند وقوعها. ومن هنا ظهر مفهوم “الدولة المرنة” (Resilient State)، الذي يقوم على أن الدولة القوية ليست تلك التي لا تواجه أزمات، وإنما تلك التي تستطيع امتصاص الصدمات وإعادة تنظيم نفسها واستعادة وظائفها الأساسية بسرعة وكفاءة.
وتقوم الدولة المرنة على عدة خصائص رئيسية، أهمها: • وجود مؤسسات فعالة وقابلة للتكيف. • تنوع اقتصادي يقلل من الاعتماد على مصدر واحد. • رأسمال اجتماعي قائم على الثقة والتماسك. • قدرة عالية على التعلم المؤسسي. • أنظمة إنذار واستشراف للمخاطر. • مرونة تشريعية وإدارية تسمح بالاستجابة السريعة. • وجود احتياطيات استراتيجية مادية ومعرفية.
إن الهدف الاستراتيجي للدولة الحديثة لم يعد هو تحقيق الاستقرار المطلق، وإنما بناء القدرة على التكيف المستمر.
الأمن الإنساني .. إعادة وضع الإنسان في مركز المعادلة:
أحد أهم التحولات الفكرية في العقود الأخيرة هو الانتقال من مفهوم “أمن الدولة” إلى مفهوم “الأمن الإنساني”، الذي طورته المؤسسات الدولية منذ تسعينيات القرن الماضي. فالأمن الإنساني ينطلق من سؤال مختلف تماماً: ماذا يعني أن يكون الإنسان آمناً؟ ويشمل هذا المفهوم أبعاداً متعددة، منها: • الأمن الاقتصادي. • الأمن الغذائي. • الأمن الصحي. • الأمن البيئي. • الأمن الشخصي. • الأمن المجتمعي. • الأمن السياسي.
ويترتب على ذلك تحول جذري في التفكير الاستراتيجي؛ إذ يصبح المواطن ليس مجرد موضوع للحماية، وإنما الغاية الأساسية لكل السياسات الأمنية. فالدولة التي لا تستطيع حماية حياة مواطنيها وكرامتهم ومستقبلهم، مهما بلغت قوتها العسكرية، لا يمكن اعتبارها دولة آمنة.
الأمن بوصفه أمن منظومات حيوية:
من المنظور المنظومي، تتكون الدولة من مجموعة من المنظومات الحيوية المترابطة، من أهمها: • المنظومة السياسية. • المنظومة الاقتصادية. • المنظومة الاجتماعية. • المنظومة التعليمية والمعرفية. • المنظومة الصحية. • منظومة الأمن والدفاع. • منظومة الطاقة. • منظومة المياه والغذاء. • المنظومة الرقمية والمعلوماتية. • المنظومة البيئية.
ولا تنبع الخطورة من ضعف أي منظومة منفردة فحسب، وإنما من الترابط العميق بين هذه المناظيم. فتعطل إحداها قد يؤدي إلى ما يعرف في الفكر المنظومي بـ”الانهيارات المتسلسلة” (Cascading Failures)، حيث تنتقل الأزمة من قطاع إلى آخر بصورة قد تنتهي إلى انهيار الدولة نفسها.
إن الأمن الحقيقي، وفق هذا الفهم، هو قدرة المنظومة الوطنية على منع هذه الانهيارات المتسلسلة أو احتوائها أو التعافي منها بسرعة.
إعادة تعريف الأمن الوطني:
في ضوء ما سبق، يمكن اقتراح تعريف جديد للأمن الوطني: “الأمن الوطني هو قدرة الدولة والمجتمع، باعتبارهما منظومة متكاملة، على حماية واستدامة ومرونة مناظيمها الحيوية، وضمان قدرتها على التكيف والتعلم والتعافي في مواجهة التهديدات الداخلية والخارجية.”
ويتميز هذا التعريف بعدة خصائص، منها: • أنه يدمج الدولة والمجتمع في إطار واحد. • أنه يركز على العلاقات وليس على المكونات فقط. • أنه يربط الأمن بالمرونة والتكيف. • أنه يجعل الإنسان محوراً للأمن. • أنه ينظر إلى المخاطر باعتبارها ظواهر منظومية مترابطة. • أنه يوسع مفهوم الأمن ليشمل جميع عناصر الاستدامة الوطنية.
ماذا يعني هذا بالنسبة للسودان والعالم العربي؟
تكتسب هذه المقاربة أهمية خاصة في السودان والعالم العربي، حيث لا تعاني معظم الأزمات من نقص الموارد أو ضعف القدرات العسكرية، وإنما من هشاشة المناظيم الوطنية نفسها.
فكثير من الدول العربية تمتلك جيوشاً كبيرة وموارد ضخمة، لكنها تعاني في الوقت نفسه من: • ضعف المؤسسات. • تآكل الثقة المجتمعية. • الاعتماد الاقتصادي المفرط. • هشاشة العقد الاجتماعي. • ضعف مناظيم التعليم والمعرفة. • محدودية القدرة على التعلم المؤسسي. • غياب التفكير الاستراتيجي طويل المدى.
ومن ثم، فإن إعادة بناء الأمن الوطني في السودان والعالم العربي لا ينبغي أن تبدأ بإصلاح الأجهزة الأمنية وحدها، وإنما بإعادة تصميم المنظومة الوطنية بأكملها، على أسس المرونة والاستدامة والتكامل والتعلم المستمر.
وهكذا: من أمن الدولة إلى أمن المنظومة الوطنية
لقد أصبح واضحاً أن مفهوم الأمن الذي حكم القرن العشرين لم يعد كافياً لفهم تحديات القرن الحادي والعشرين. فالأمن لم يعد مجرد قدرة على القتال ولا مجرد حماية للحدود، وإنما أصبح قدرة على الحفاظ على تماسك المنظومة الوطنية، وتعزيز مرونتها، وضمان قدرتها على التعلم والتكيف والبقاء.
وربما تكون المهمة الفكرية الكبرى أمامنا اليوم هي الانتقال من سؤال: “كيف نحمي الدولة؟” إلى سؤال أكثر عمقاً وأهمية: “كيف نصمم منظومة وطنية قادرة على البقاء والازدهار والتجدد مهما كانت الصدمات والتحديات؟” وهذه، في تقديري، هي النقلة الفكرية الضرورية لإعادة تعريف الدولة والأمن في السودان والعالم العربي خلال القرن الحادي والعشرين.