رأي

من «أسلحة الدمار الشامل» في العراق إلى «كيميائي» السودان: تهيئة الرأي العام لتدمير السودان لحساب الإمارات

أحمد شموخ🖋️

لن يستطيع أي شخص لديه عقل عزل التقريرين اللذين نشرتهما نيويورك تايمز وواشنطن بوست، في اليوم نفسه، عن المعركة الدائرة داخل مجلس الأمن بشأن السودان.

فقد أعادت الصحيفتان طرح مزاعم استخدام الجيش السوداني أسلحة كيميائية، واعتمدتا هذه المرة على ملف قدمته “جهة مخابراتية شرق أوسطية” لم تكشف أي منهما عن هويتها، رجّح كاميرون هادسون أنها الموساد الإسرائيلية، ويعزّز هذا الترشيح المُشارك في كتابة المقال، الإسرائيلي رونان بيرغمان من تل أبيب. وجاء النشر قبل أيام من مساعي الولايات المتحدة الضاغطة ليصوّت مجلس الأمن على توسيع نظام العقوبات المفروض بموجب القرار 1591 من دارفور إلى السودان كله.

يخدم هذا التوقيت غرضاً سياسياً واضحاً؛ فهو يكسو المقترح الأميركي غطاءً أخلاقياً، ويحرج الصين وروسيا، ويجعل اعتراضهما عليه مدخلاً لاتهامهما بحماية دولة تستخدم السلاح الكيميائي.

وفي الوقت نفسه، يحرف النقاش عن شبكات الإمداد الخارجية التي تمد مليشيات أبوظبي بالسلاح والمرتزقة، وعن مسؤولية الإمارات عن إطالة أمد الحرب، ويوجه الاتهام بدلاً من ذلك إلى الدولة السودانية وجيشها، وهي تفاصيل فاضت بها محتويات تقارير الأمم المتحدة الأخيرة.

وهكذا يغيب الحديث عن محاسبة الدولة التي تسلح مليشيا متهمة بالإبادة الجماعية، ويحل محله مطلب حرمان السودان من تسليح جيشه والدفاع عن مواطنيه، ومساواة بندقية الدولة التي تخوض حرب عادلة للدفاع عن بقاء ووحدة وسيادة السودان وأمن السودانيين بيندقية مليشيات أبوظبي الإبادية التي تفقر وتهجر وتغتصب وتدفن المواطنين أحياء.

في الصورة المرفقة بهذا المقال، يظهر وزير الخارجية الأميركي الأسبق كولن باول أمام مجلس الأمن في فبراير 2003م، قبيل غزو العراق. قدم باول يومها ملفاً امتلأ بالأكاذيب والمعلومات المضللة، ثم أثبتت الوقائع بطلانه؛ لكنه أدى الغرض المطلوب، فمهّد للحرب ومنح غزو العراق واحتلاله غطاءً سياسياً وأخلاقياً.

ولم تقتصر الكارثة على إسقاط نظام صدام حسين؛ إذ حلّت سلطة الاحتلال الجيش العراقي، وهدمت وفكّكت مؤسسات الدولة، ومزقت المجتمع، ودفعت العراق إلى انقطاع حضاري قسري ما تزال البلاد والمنطقة تدفعان ثمنه حتى اليوم، وكانت داعـ.ـش أحد مخرجات تلك الجلسة المشؤومة والغزو الإجرامي.

ولم تتابع نيويورك تايمز وواشنطن بوست تلك الحملة من بعيد، بل شاركتا في ترويجها ومنحها صدقية الصحافة.

فقد فتحت التايمز صفحاتها الأولى لمسؤولين أميركيين لم تسمّهم، ولمنشقين ارتبطوا بأحمد الجلبي، وروّجت عبرهم مزاعم أنابيب الألمنيوم، ومعامل الأسلحة البيولوجية المتنقلة، وترسانات أسلحة الدمار الشامل. أما واشنطن بوست فنشرت أكثر من 140 مادة في صفحاتها الأولى، غلب عليها خطاب إدارة بوش وحججها المؤيدة للحرب، بينما همّشت التقارير التي شككت في تلك المزاعم.

بحث المفتشون عن ترسانات أسلحة الدمار الشامل في العراق ولم يجدوها.

وبعد أن بدأ الغزو، أقرت نيويورك تايمز بأن تغطيتها «لم تكن بالصرامة المهنية المطلوبة».

واعترفت واشنطن بوست بأنها قللت من شأن الأصوات المشككة، لكن رئيس تحريرها التنفيذي رفض الاعتذار. ولم تعد تلك الاعترافات المتأخرة قتيلاً إلى الحياة، ولم تُشفِ جريحاً، أو ترد مهجّراً إلى داره، أو تبنِ ما هدمه الاحتلال.

اليوم تختلف التفاصيل، لكن الأسلوب يعيد نفسه. قد لا تكون واشنطن قد قررت خوض حرب على السودان، غير أن أبوظبي تريد جرّها إلى إنقاذ غزو الإمارات الذي يحتضر تحت ضربات الجيش السوداني في كل الجبهات التي فتحتها أبوظبي بشراء الحكومات والمرتزقة والسلاح. وبعدما أخفقت مليشياتها في إخضاع السودانيين، تسعى الإمارات وحلفاؤها الإسرائيليون إلى تسخير النفوذ الأميركي والعقوبات والضغوط الدبلوماسية، وربما القوة العسكرية في مرحلة لاحقة، لتحقيق ما عجز وكلاؤها عن تحقيقه في الميدان.

ويقود مسعد بولص هذا التحرك داخل مجلس الأمن. وتربط بولص بعائلة ترامب مصاهرة، في وقت اتسعت فيه المصالح التجارية لعائلة الرئيس الأميركي داخل الإمارات ومع جهات إماراتية حكومية من عيال زايد. فالمسار الذي يدفع به بولص يخدم، في نتيجته المباشرة، حاجة أبوظبي إلى انتزاع تنازلات من الحكومة السودانية بالدبلوماسية والعقوبات والحرب النفسية والتضليل الإعلامي، بعدما عجزت مليشياتها عن انتزاعها بالإبادة الجماعية والعنف الجنسي والتطهير العرقي والتهجير القسري والإفقار.

ومن هنا جاء اقتراح فرض حظر شامل للسلاح على السودان. فالمقترح لا يوقف شبكات الإمداد التي تزود مليشيات أبوظبي بالسلاح والمرتزقة، بل يقيد قدرة الجيش السوداني على حماية البلاد. كما يضع سلاح الدولة، الذي يحمي المواطنين ووحدة الإقليم، في كفة واحدة مع سلاح مليشيا تقاتل لتفكيك الدولة وإخضاعها. وبذلك تحاول أبوظبي أن تنتزع في مجلس الأمن، وتحت وطأة الضغط السياسي، ما فشلت في انتزاعه من السودانيين بقوة السلاح.

السؤال هنا ليس ما إذا كان اتهام استخدام السلاح الكيميائي يستحق التحقيق. وإنما السؤال هو: *كيف تطلب صحيفتان تحملان هذا السجل من العالم أن يثق بملف قدمه جهاز مخابرات ترفضان تسميته؟*

ما الذي تحققتا منه بنفسيهما؟

وأين الدليل الذي فحصته جهة دولية محايدة على الأرض؟

وهل قدمت الصحيفتان تحقيقاً صحفياً مستقلاً، أم أعادتا نشر مادة مخابراتية يراد استخدامها لخنق قدرة السودان على التسلح وفتح الطريق أمام تدخل أجنبي؟

وهناك سؤال آخر يتعين على نيويورك تايمز أن تجيب عنه.

*تذكر رسالة مؤرخة في ديسمبر 2018م، ضمن ملفات إبستين التي أفرجت عنها وزارة العدل الأميركية، اسم رونين بيرغمان، أحد المشاركين في إعداد تقرير الصحيفة. ففي تلك الرسالة اقترح إيهود باراك على جيفري إبستين أن يتواصل مع بيرغمان ليكتب كتاباً عن باراك، فرد إبستين بكلمة واحدة: «Easy»؛ أي «سهل».*

*والسؤال موجه أيضاً إلى ديكلان والش: لقد زرت الخرطوم ورأيت بنفسك الدمار والحرب الإعلامية التي يتعرض لها السودان، وحجم التضليل الذي يستهدف نزع الشرعية عن حق السودانيين في الدفاع عن دولتهم ووجودهم الحضاري. فكيف رضيت أن تشارك في عملية حرب نفسية مكشوفة كهذه؟ وهل تريد أن يذكرك السودانيون كما يذكر العراقيون جوديث ميلر؛ الصحفية التي لازم اسمها تقارير أسلحة الدمار الشامل الزائفة التي مهدت لغزو العراق وتدميره؟*

*وكم سودانياً يجب أن تقتل هذه الحرب أو تشوّه أو تهجّر، وكم امرأة يجب أن تغتصبها مليشيات أبوظبي، قبل أن تكتب نيويورك تايمز وواشنطن بوست ملاحظة تحريرية جديدة، تختاران كلماتها بعناية، ثم تقران بأن تغطيتهما «لم تكن بالصرامة المطلوبة»؟*

*لن يسمح السودانيون لأبوظبي بأن تدمر بلادهم للخروج من ورطة حربها الاستعمارية بالوكالة. لكن التحريض على الحرب، فيما يبدو، لا يفقد احترامه في الأوساط الليبرالية، ما دام يأتي في ثوب «تحقيق صحفي» ويتحدث بلغة القانون الدولي والحرص الإنساني.*

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى