رأي

من أديس أبابا إلى القاهرة ودار السلام: الأمن المائي بين تحديات أفريقيا وفرص التعاون العربي والإقليمي

د. عمار أبكر عبد الله

يشهد عام 2026 حراكاً مهماً في قضايا المياه على المستويين الأفريقي والعربي، في وقت تتزايد فيه الضغوط على الموارد المائية نتيجة تغير المناخ، والنمو السكاني، والتوسع الحضري، وارتفاع الطلب على المياه والغذاء والطاقة، إلى جانب تعقيدات إدارة الموارد المائية المشتركة بين الدول. وفي هذا السياق … تستضيف القارة الأفريقية خلال الفترة من سبتمبر إلى نوفمبر 2026 ثلاث منصات مائية مهمة: مؤتمر الأمن المائي الأفريقي في أديس أبابا، والمؤتمر العربي السابع للمياه بالتزامن مع أسبوع القاهرة التاسع للمياه، ثم المنتدى الثامن لتنمية حوض النيل في دار السلام. ولا تكمن أهمية هذه اللقاءات في أوراقها العلمية وجلساتها الفنية فحسب … وإنما في السؤال الأهم: كيف يمكن تحويل المعرفة العلمية والحوار السياسي إلى تعاون عملي يعزز الأمن المائي، ويجعل المياه أداة للتنمية والسلام، بدلاً من أن تصبح مصدراً للتوتر والخلاف؟

نحو أفريقيا آمنة مائياً وقادرة على الصمود:

تستضيف العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، خلال الفترة من 21 إلى 23 سبتمبر 2026، مؤتمر الأمن المائي الأفريقي (AWS-2026)، تحت شعار:
«نحو أفريقيا آمنة مائياً وقادرة على الصمود»؛ وينظم المؤتمر بصورة مشتركة المركز الأفريقي للتميز في إدارة المياه بجامعة أديس أبابا ووزارة المياه والطاقة الإثيوبية، ويُعقد في قاعة النصر في عدوا بأديس أبابا.

ويتوقع المنظمون مشاركة أكثر من 500 مندوب من أفريقيا وخارجها، يمثلون المؤسسات الحكومية والجامعات ومراكز البحث والمنظمات الإقليمية والدولية والقطاع المهني وأصحاب المصلحة في مجال المياه.

وتنبع أهمية المؤتمر من محاولته الربط بين العلم والسياسات والتطبيق العملي في معالجة تحديات الأمن المائي الأفريقي. فالقارة تواجه مجموعة من الضغوط المترابطة، تشمل تغير المناخ، والجفاف والفيضانات، والنمو السكاني، وتزايد الاحتياجات المرتبطة بالأمن الغذائي والطاقة، إلى جانب ضرورة حماية النظم البيئية وتحقيق أهداف التنمية المستدامة.

ويشارك في المؤتمر عدد من العلماء والخبراء البارزين، من بينهم البروفيسور Assefa M. Melesse من جامعة فلوريدا الدولية متحدثاً رئيسياً، والبروفيسور السوداني Elfatih A. B. Eltahir، أستاذ الهيدرولوجيا والمناخ في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، إلى جانب البروفيسور Michael R. Templeton من Imperial College London، والبروفيسورة Nancy G. Love من University of Michigan، والدكتور Ted Lawrence من African Center for Aquatic Research and Education.

ويكتسب حضور البروفيسور الفاتح الطاهر أهمية خاصة من منظور سوداني، لما يمثله من حضور علمي سوداني بارز في واحدة من أهم المؤسسات الأكاديمية العالمية، ولإسهاماته العلمية في مجالات الهيدرولوجيا والمناخ والأمن المائي.

ويتضمن البرنامج كذلك حواراً رفيع المستوى حول الاستخدام العادل والمستدام للمياه من أجل التنمية، إلى جانب المحاضرات الرئيسية والجلسات العلمية والفنية المتوازية. ومن الجوانب اللافتة تنظيم زيارة فنية في 24 سبتمبر 2026 إلى سد النهضة الإثيوبي الكبير، تتضمن، وفقاً للبرنامج المعلن، تعريفاً بعمليات السد وزيارة عدد من منشآته والتفاعل مع المهندسين في الموقع.

وهنا تبرز أهمية الحدث وحساسيته بالنسبة للسودان ودول حوض النيل. فالأمن المائي في أفريقيا لا يمكن النظر إليه فقط من زاوية البنية التحتية أو كميات المياه المتاحة، وإنما يرتبط كذلك بالتعاون العابر للحدود، وتبادل المعلومات، وبناء الثقة، والقانون الدولي للمياه، وإدارة المخاطر المشتركة والدبلوماسية المائية.

شراكات عربية من أجل السلام والتنمية:

بعد نحو شهر من مؤتمر أديس أبابا … تنتقل بوصلة الحوار المائي الإقليمي إلى القاهرة، حيث تستضيف مصر المؤتمر العربي السابع للمياه يومي 26 و27 أكتوبر 2026، تحت شعار:
“المياه في المنطقة العربية: شراكات من أجل السلام والتنمية المستدامة”؛ ويُعقد المؤتمر بالتزامن مع أسبوع القاهرة التاسع للمياه، المقرر خلال الفترة من 25 إلى 29 أكتوبر 2026. ويمثل المؤتمر العربي للمياه منصة إقليمية لمناقشة القضايا المائية المشتركة، وتعزيز التعاون العربي في مواجهة ندرة المياه وتغير المناخ وتشجيع الإدارة المستدامة للموارد المائية. وتشمل الموضوعات الرئيسية للمؤتمر الموارد المائية غير التقليدية، والأطر المؤسسية والتشريعية للإدارة المتكاملة للموارد المائية، وحوكمة الموارد المائية المشتركة، واستراتيجيات الأمن المائي وتعزيز الدبلوماسية المائية لدعم التعاون العابر للحدود ومنع النزاعات. أما أسبوع القاهرة للمياه لعام 2026، فيحمل شعار:
«المياه كمحفز للسلام والازدهار المشترك وكوكب مستدام»، وتشمل محاوره إدارة الموارد المائية المشتركة في إطار القانون الدولي للمياه من أجل السلام والاستقرار الإقليمي، والأمن الغذائي، والتحلية وإعادة استخدام المياه، والتكيف مع تغير المناخ، والذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي والتمويل والحوكمة الوطنية للمياه. ومن شأن اجتماع الحكومات والمؤسسات الدولية والأكاديميين والباحثين والقطاع الخاص والمجتمع المهني في القاهرة أن يوفر مساحة مهمة للحوار حول مستقبل المياه في المنطقة العربية، التي تُعد من أكثر مناطق العالم معاناة من ندرة المياه.

نحو مستقبل مرن وشامل لحوض النيل:

ويتواصل هذا الحراك الإقليمي في دار السلام بتنزانيا … حيث تستضيف المدينة خلال الفترة من 25 إلى 27 نوفمبر 2026 المنتدى الثامن لتنمية حوض النيل (NBDF8)، الذي تنظمه مبادرة حوض النيل تحت شعار: «بناء مستقبل مرن وشامل لحوض النيل: الاستثمار في الإنسان والابتكار والتعاون من أجل الازدهار المشترك»؛ ويُعد المنتدى إحدى أهم منصات مبادرة حوض النيل للحوار بين العلوم والسياسات والممارسات. ومن المقرر أن يجمع صناع السياسات والعلماء والباحثين وشركاء التنمية ومؤسسات المجتمع المدني والأوساط الأكاديمية والقطاع الخاص والنساء والشباب … بهدف تطوير حلول عملية لمستقبل حوض النيل. ويتضمن المنتدى ثلاثة أيام من الجلسات الفنية والنقاشات العامة والحوارات الوزارية والمعارض والمشاركات الشبابية، إلى جانب الدورة الخامسة من جوائز حوض النيل للإعلام.

ويكتسب انعقاد المنتدى في تنزانيا دلالة تاريخية مهمة؛ فقد استضافت تنزانيا الاجتماع التاريخي الذي شهد تأسيس مبادرة حوض النيل عام 1999 … كما أنها تستضيف منتدى تنمية حوض النيل للمرة الأولى. وتأتي هذه الدورة في وقت يواجه فيه الحوض ضغوطاً متزايدة نتيجة تغير المناخ، والنمو السكاني، وتزايد الطلب على المياه والغذاء والطاقة، وتدهور النظم البيئية. ولذلك يركز المنتدى على الاستثمار ليس فقط في البنية التحتية، وإنما أيضاً في الإنسان والمؤسسات والمعرفة والتكنولوجيا والشراكات … مع اهتمام خاص بدور النساء والشباب والابتكار الرقمي والذكاء الاصطناعي والاستشعار عن بُعد ونظم البيانات. ووفقاً لمبادرة حوض النيل، يُنتظر أن يساهم المنتدى في إنتاج توصيات سياسية وفنية، وفتح فرص جديدة للاستثمار، وتطوير منتجات معرفية وشراكات تدعم التعاون والتنمية المشتركة بين دول الحوض.

السودان بين المنصات الثلاث:

بالنسبة للسودان، لا ينبغي النظر إلى مؤتمرات أديس أبابا والقاهرة ودار السلام باعتبارها أحداثاً منفصلة … بل بوصفها حلقات مترابطة في حوار إقليمي واحد حول الأمن المائي والتعاون والتنمية المستدامة. فالسودان، بحكم موقعه الجغرافي والهيدرولوجي، يقع في قلب منظومة مائية إقليمية شديدة الأهمية، ويتشارك مع دول الجوار عدداً من الأحواض والموارد المائية العابرة للحدود. كما أن علاقاته المائية مع كل من إثيوبيا ومصر، وعضويته في مبادرة حوض النيل، تجعل الحوار العلمي والفني والدبلوماسي حول المياه مسألة استراتيجية تتجاوز ملفاً أو مشروعاً بعينه.

ومن هنا، ينبغي للمشاركة السودانية الفاعلة في هذه المحافل أن تجمع بين العلم والهندسة والسياسات والقانون والدبلوماسية، وأن تتيح المجال للجامعات والباحثين والخبراء والمهنيين السودانيين لتقديم أوراق علمية ورؤى عملية تعكس مصالح السودان … وتدعم في الوقت نفسه التعاون الإقليمي. ولا ينبغي أن يظل النقاش محصوراً في السؤال التقليدي حول حصة كل دولة من المياه … بل يجب أن يمتد إلى أسئلة أكثر شمولاً: كيف يمكن للدول إدارة المخاطر المشتركة؟ وكيف يمكن تحسين تبادل البيانات والإنذار المبكر والتنبؤ بالفيضانات والجفاف؟ وكيف يمكن تطوير مشروعات تحقق منافع مشتركة في المياه والطاقة والغذاء؟ وكيف يمكن للمؤسسات الإقليمية أن تساعد في بناء الثقة بين الدول؟ … ويحتاج السودان، في ظل التحديات الراهنة، إلى رؤية مائية قومية تجمع بين إعادة تأهيل البنية التحتية، وتطوير شبكات الرصد الهيدرولوجي، والاستفادة من التحول الرقمي ونظم التنبؤ والإنذار المبكر، وتعزيز الحضور الفني والدبلوماسي في المؤسسات والمنصات الإقليمية.

ما المرجو من هذه المؤتمرات؟

لا تُقاس المؤتمرات الناجحة بعدد المشاركين أو الأوراق المقدمة وحدها، وإنما بما تتركه من أثر بعد انتهاء الجلسات. ومن المرجو أن تسهم هذه اللقاءات في تقريب العلم من عملية صنع القرار، وبناء شراكات بين الجامعات والحكومات والمنظمات الإقليمية والدولية، وتعزيز تبادل البيانات والمعرفة، ودعم القدرات الأفريقية والعربية في مجالات النمذجة والتنبؤ والإنذار المبكر والتكيف المناخي. كما أن هناك حاجة متزايدة إلى إعادة وضع الدبلوماسية المائية في قلب النقاش. فالمياه المشتركة لا تعترف بالحدود السياسية، وبالتالي فإن إدارتها المستدامة تحتاج إلى مؤسسات وآليات مستمرة للحوار والتعاون وتبادل المنافع. وفي أحواض مثل حوض النيل، لا يتحقق بناء الثقة بالخطاب السياسي وحده، وإنما يحتاج إلى تعاون فني طويل المدى، وشفافية في تبادل المعلومات، ومشروعات مشتركة، وعلاقات مهنية مستمرة بين العلماء والمهندسين والمؤسسات في دول الحوض. ومن المهم كذلك أن تخرج المؤتمرات بآليات واضحة لمتابعة التوصيات، وتحديد الجهات المسؤولة عن تنفيذها، وتوفير التمويل اللازم، وقياس ما تحقق قبل انعقاد الدورات التالية.

فرصة لإعادة صياغة الحوار حول المياه:

إن انعقاد مؤتمر الأمن المائي الأفريقي في أديس أبابا، ثم المؤتمر العربي السابع للمياه وأسبوع القاهرة التاسع للمياه، وصولاً إلى المنتدى الثامن لتنمية حوض النيل في دار السلام … يتيح فرصة رمزية وعملية مهمة للانتقال من الحوار العام إلى تعاون إقليمي ملموس.

فبين أديس أبابا والقاهرة ودار السلام تقع دول ومجتمعات وأنهار ومصالح مترابطة، وفي قلب هذه المنظومة يوجد السودان، بما يحمله موقعه من تحديات ومسؤوليات وفرص. ولعل الرسالة الأهم التي ينبغي أن تخرج من هذه المحافل هي أن الأمن المائي لا يمكن تحقيقه بصورة منفردة، وأن أمن دولة مائياً لا ينبغي أن يعني إضعاف أمن دولة أخرى. فالاستدامة الحقيقية تبدأ عندما تتمكن الدول من تحويل المياه المشتركة من مصدر للقلق والتنافس إلى مساحة لبناء الثقة والمصالح والمنافع المشتركة. وفي ظل التغيرات المناخية والجيوسياسية المتسارعة، تحتاج أفريقيا والمنطقة العربية، أكثر من أي وقت مضى، إلى الانتقال من إدارة الخلاف حول المياه إلى إدارة التعاون من خلال المياه. وهذا هو الاختبار الحقيقي لما بعد المؤتمرات: أن تتحول الأوراق العلمية والحوارات والمنصات إلى سياسات وشراكات ومشروعات وثقة متبادلة، تجعل من المياه جسراً للسلام والتنمية المستدامة والازدهار المشترك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى