مناظرة عبدول وروجرز… مواجهة انتخابية بمواصفات رئاسية
Mazin
رمضان أحمد
لم تكن المناظرة التي جرت أمس بين المرشح الديمقراطي عبد الرحمن السيد، المعروف باسم «عبدول»، الفائز في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي لمقعد مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، ومنافسه الجمهوري مايك روجرز، مجرد مواجهة انتخابية تقليدية تسبق الانتخابات العامة المقررة في نوفمبر المقبل. فقد اتسمت المناظرة بطابع استثنائي، واستقطبت اهتماماً واسعاً من الأمريكيين، فضلاً عن متابعي الشأن السياسي في الولايات المتحدة، حتى بدت أقرب إلى المناظرات الرئاسية منها إلى المناظرات المعتادة بين المرشحين للمناصب التشريعية.
فالمناظرات الانتخابية بين الجمهوريين والديمقراطيين لا تحظى، في العادة، باهتمام جماهيري واسع، ويرجع ذلك، إلى حد كبير، إلى التقارب بين الحزبين في عدد من القضايا الأساسية، ولا سيما في السياسة الخارجية. ولعل الدكتور محمد الشنقيطي لخّص هذا التقارب، وإن بصيغة ساخرة، حين قال إن الديمقراطيين يعشقون إسرائيل، بينما الجمهوريين يعبدونها.
غير أن المشهد الانتخابي الأمريكي هذه المرة يشهد تطورات لافتة قد تتجاوز حدود التنافس التقليدي بين الحزبين، وربما تعيد تشكيل بعض قواعد اللعبة السياسية. فعبد الرحمن السيد يمثل اتجاهاً صاعداً داخل الحزب الديمقراطي، يرتبط بتيار «الديمقراطيين التقدميين»، الذي يسعى إلى إعادة النظر في عدد من المسلّمات السياسية والاقتصادية التي حكمت الحياة الأمريكية لعقود. ومن هنا تبرز أهمية المواجهة بين عبدول، الذي يعبر عن هذا التوجه، ومايك روجرز، الذي يمثل نهجاً تقليدياً في السياسة الأمريكية، يتقاطع في كثير من مواقفه مع التوجهات التي تتبناها إدارة الرئيس دونالد ترامب.
بين مناقشة القضايا ومهاجمة الخصم:
كان الفارق في أسلوب المرشحين واضحاً خلال المناظرة. فقد اتسم أداء عبدول بالهدوء والثبات، وجاءت إجاباته مباشرة ومحددة، مع حرصه على توضيح مواقفه بدلاً من الانشغال بالرد على الهجمات الشخصية. كما استثمر الثواني الأخيرة المتاحة له في بعض المحاور لتوجيه انتقادات موجزة ومحرجة إلى منافسه، مستفيداً من تركيزه على مضمون الأسئلة وقدرته على إيصال رسائله بوضوح.
في المقابل، بدا روجرز أكثر ميلاً إلى الهجوم الشخصي، معتمداً على مجموعة من الاتهامات والمخاوف التي اعتاد الإعلام الأمريكي التقليدي إثارتها في مواجهة خصومه، ومن بينها الإيحاء بوجود صلات بين عبدول وجماعات مثل الإخوان المسلمين وتنظيم القاعدة وحركة حماس. وبدلاً من أن يتركز النقاش على البرامج والمواقف والسياسات المقترحة، بدا أن روجرز أراد توظيف هذه الاتهامات لتشكيك الناخبين في منافسه وإثارة مخاوفهم منه.
كذلك حرص روجرز على استحضار خلفيته المهنية، مشيراً مراراً إلى عمله السابق في مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) وإلى خبرته في مجلس الشيوخ، وكأن هذه السيرة تمثل في حد ذاتها حجة كافية لإثبات أهليته للمنصب. أما عبدول، فاعتمد بصورة أكبر على مناقشة القضايا المطروحة وتقديم إجابات محددة، الأمر الذي عزز الانطباع بأنه أكثر تماسكاً وارتياحاً في إدارة الحوار.
إسرائيل وإيران… محور الاختلاف الحقيقي:
احتلت إسرائيل، كما جرت العادة في الانتخابات الأمريكية، مساحة مهمة من النقاش، لكن ما ميّز هذه المناظرة هو أن القضية لم تُطرح فقط من زاوية الالتزام التقليدي بأمن إسرائيل أو طبيعة العلاقة الاستراتيجية معها، بل امتدت إلى سؤال أكثر مباشرة يتعلق بأولويات الإنفاق العام ومصالح المواطن الأمريكي.
فقد شدد عبدول على أن أموال دافعي الضرائب الأمريكيين ينبغي أن تُوجَّه، في المقام الأول، إلى تلبية احتياجات الأمريكيين أنفسهم، بدلاً من استمرار إنفاقها على دولة أجنبية. وبهذا الطرح، نقل النقاش من دائرة الشعارات المتعلقة بالتحالفات الخارجية إلى مسألة عملية تمس حياة الناخبين وأولوياتهم الاقتصادية والاجتماعية.
أما الملف الإيراني، فقد كشف بدوره عن اختلاف جوهري في مقاربة السياسة الخارجية. إذ رأى عبدول أن الحرب على إيران لم تكن ضرورة أمريكية، مشيراً إلى أن إدارة باراك أوباما كانت قد توصلت إلى اتفاق نووي مع طهران، أتاح مساراً دبلوماسياً لمعالجة الخلافات والحد من مخاطر التصعيد. ومن وجهة نظره، فإن اللجوء إلى الحرب لم يكن الخيار الوحيد المتاح، بل إن المسار الدبلوماسي كان قادراً على توفير بديل أقل كلفة وأكثر اتساقاً مع المصالح الأمريكية.
ومن أبرز النقاط التي أثارها عبدول انتقاده لانشغال إدارة ترامب بإعادة فتح مضيق هرمز، متسائلاً عن جدوى خوض الحرب إذا كان المضيق مفتوحاً قبل اندلاعها. ويطرح هذا السؤال، في جوهره، إشكالية تتعلق بأهداف الحرب ونتائجها: هل حققت السياسة العسكرية الغايات التي أُعلنت من أجلها، أم أن الولايات المتحدة وجدت نفسها أمام أزمة جديدة تحاول معالجة تداعياتها بعد أن ساهم التصعيد في تفاقمها؟
وبذلك لم يكتفِ عبدول بمعارضة الحرب، بل سعى إلى التشكيك في منطقها السياسي والاستراتيجي، رابطاً بين قرارات السياسة الخارجية وكلفتها الاقتصادية والعملية على الولايات المتحدة.
قضايا الداخل الأمريكي تحت المجهر:
لم تقتصر المناظرة على السياسة الخارجية، بل تناولت مجموعة واسعة من القضايا الداخلية التي تشغل الناخب الأمريكي، من بينها الهجرة، والرعاية الصحية، وأمن الحدود، والذكاء الاصطناعي، ونفوذ الشركات الكبرى، فضلاً عن الخلافات الضريبية والتجارية مع كندا.
وفي هذه الملفات أيضاً، بدا عبدول أكثر ميلاً إلى تقديم إجابات مباشرة والدخول في صلب الموضوع، بينما اتجه روجرز إلى استحضار خبرته السياسية والأمنية والتحذير من مخاطر منافسه. وقد أتاح تنوع القضايا المطروحة للناخبين فرصة أوسع للمقارنة بين المرشحين، ليس فقط من حيث مواقفهما السياسية، بل أيضاً من حيث قدرتهما على شرح تلك المواقف والدفاع عنها تحت الضغط.
وتكمن أهمية هذه القضايا في أنها تتصل مباشرة بحياة الأمريكيين اليومية، من تكاليف العلاج والرعاية الصحية إلى فرص العمل ومستقبل الاقتصاد، مروراً بالهجرة وتأثير التكنولوجيا الحديثة في سوق العمل والمجتمع. ومن ثم، فإن قدرة المرشح على تقديم تصورات واضحة بشأنها قد تكون أكثر تأثيراً في الناخبين من مجرد استعراض السيرة الذاتية أو تكرار الاتهامات السياسية.
مناظرة حُسمت على المسرح… والانتخابات لم تُحسم بعد:
على الرغم من أن استطلاعات الرأي تشير إلى تقارب المنافسة بين المرشحين، مع تقدم طفيف لعبدول، فإن الانطباعات التي أعقبت المناظرة مالت بوضوح إلى اعتباره الطرف الذي خرج منها بمكاسب أكبر. فقد بدا أكثر هدوءاً وثباتاً، وأقدر على استثمار الوقت المخصص له في عرض مواقفه وانتقاد سياسات منافسه، بينما ظهر روجرز، وفقاً للانطباع الذي تركه أداؤه، أكثر توتراً واعتماداً على الهجوم الشخصي.
وقد ذهب أحد المعلقين إلى حد التعبير عن دهشته من أن يغادر روجرز منزله ويتوجه إلى موقع المناظرة ليعرّض نفسه لما وصفه بالمهزلة. وعلى الرغم من المبالغة التي تنطوي عليها هذه العبارة، فإنها تعكس حجم الانطباع السلبي الذي تركه أداء روجرز لدى بعض المتابعين.
ومع ذلك، ينبغي التمييز بين الفوز بمناظرة والفوز بالانتخابات. فالمناظرات قد تؤثر في اتجاهات الناخبين، وتعيد ترتيب الأولويات، وتكشف جوانب القوة والضعف لدى المرشحين، لكنها لا تحسم وحدها نتيجة الاقتراع، الذي تظل عوامل أخرى مؤثرة فيه، من بينها التنظيم الحزبي، والقدرة على تعبئة الناخبين، والموارد الانتخابية، وطبيعة المزاج العام في الولاية.
لكن ما جعل هذه المناظرة استثنائية هو أنها تجاوزت حدود المنافسة الشخصية بين مرشحين على مقعد في مجلس الشيوخ، لتكشف عن خلاف أوسع بشأن اتجاه السياسة الأمريكية نفسها: هل تستمر الولايات المتحدة في نهجها التقليدي القائم على التحالفات الخارجية والتدخلات العسكرية، أم يتقدم تيار يطالب بإعادة ترتيب الأولويات، وتوجيه الموارد إلى الداخل، ومراجعة القرارات التي تفرض أعباء اقتصادية واستراتيجية على الأمريكيين؟
في هذا السياق، لم تكن مناظرة عبدول وروجرز مجرد مواجهة انتخابية عابرة، بل شكلت فارقاً كبيراً لخطابين سياسيين مختلفين، ومؤشراً على أن المنافسة داخل الولايات المتحدة قد تشهد تحولات تتجاوز الخلافات التقليدية الباهتة بين الحزبين، لتطال طبيعة الخيارات المفصلية التي يواجهها الناخب الأمريكي في المرحلة المقبلة.