ذكرى أكتوبر……… تزيين الهزيمة بالأغاني

كتب البىوفيسور
محمد بشير عبادي
…….
ما أكثر ماغنى اليسار لأكتوبر وبأغانيه التي سحرت وجدان الناس كان القود إلى المهلكة. منذ (62) سنة ونحن نردد “أكتوبر الأخضر” و”أكتوبر واحد وعشرين” و”المتاريس” بأصوات وردي ومحمد الأمين وأبو عركي البخيت، ونحفظ الأكتوبريات التي كتبها هاشم صديق ومحمد المكي إبراهيم وصلاح أحمد إبراهيم، حتى تحولت هزيمة الدولة إلى عرس، والفوضى إلى ملحمة. لقد كان الغناء ضروريََا، لأن الحقيقة العارية لأكتوبر لا يمكن أن تمر بلا زينة. واليوم بعد أكثر من ستة عقود من الفوضى والانقلابات والحروب، يحق لنا أن ننزع اللحن جانبََا ونقرأ التاريخ مجردََا بلا تخدير موسيقي، لنرى ماذا كان السودان قبل أكتوبر وماذا أصبح بعدها؟، وماذا باع عبود وماذا اشترى؟.
كان السودان في عهد الرئيس الأسبق الفريق إبراهيم عبود،رحمه الله (1958-1964) يعيش فترة رخاء واستقرار نادرََا ما تكررت. على الصعيد الاقتصادي، حقق الاقتصاد معدل نمو تجاوز (7%) سنويََا، وكان الميزان التجاري يحقق فائضََا، والجنيه السوداني يساوي (3 دولارات) أمريكية، وكان السودان يمول مشاريعه من موارده الذاتية بلا ديون خارجية تذكر.
شهد عهد عبود توسعََا زراعيََا غير مسبوق بقيام امتداد المناقل (مليون فدان) ومشروع خشم القربة وحلفا الجديدة (300 ألف فدان) ومشروع الرهد الذي وضعت دراساته، إضافة إلى إنشاء خزان خشم القربة والروصيرص في مرحلته الأولى. وعلى صعيد الصناعة، أنشئت مصانع السكر في الجنيد وخشم القربة، ومصنع الألبان في بابنوسة، ومصانع الفاكهة في كريمة وواو، ومصنع البصل في كسلا، ومحالج القطن، وكانت الخرطوم تضاء بلا قطوعات والأسواق ممتلئة بالسلع بأسعار في متناول الجميع. وعلى صعيد التعليم والصحة، بلغ التعليم ذروة مجده، فتم تعميم التعليم الابتدائي، وإنشاء المدارس الثانوية في كل المدن، وافتتاح معهد المعلمين العالي الذي أصبح جامعة، وجامعة القاهرة فرع الخرطوم التي أصبحت جامعة النيلين، وتم القضاء على الملاريا في مشروع الجزيرة، وأنشئت المستشفيات الريفية. أما أمنيََا، فقد كان الجيش في أوج قوته وانضباطه، واستطاع بين (1960 و1963م) أن يضيق الخناق على تمرد “الأنيانيا” في جنوب السودان، ويغلق الحدود مع يوغندا والكونغو، ويقطع خطوط الإمداد، ويطرد البعثات التبشيرية التي كانت تدعم التمرد لوجستيََا، حتى كاد التمرد أن ينتهي عسكريََا.
لم يكن حكم عبود حكمََا عسكريا صامتََا كما تصوره الأكتوبريات، بل كان عهد نهضة إعلامية وثقافية هي الأساس الذي قامت عليه الدولة الحديثة. ففي الإعلام، تأسس تلفزيون السودان وكان حدثََا وطنيََا نقل السودان إلى عصر الصورة، وتطورت الإذاعة السودانية من إذاعة صغيرة في مبنى بيت الأمانة إلى إذاعة وطنية بافتتاح إذاعة أمدرمان الجديدة في مقرها الحالي عام 1959م ومحطات إقليمية في جوبا وود مدني، وصدرت الصحف والمجلات الثقافية وفي الثقافة والفنون، شيد المسرح القومي في أمدرمان وافتتح عام 1960م ليكون أول مسرح قومي حديث في أفريقيا جنوب الصحراء، واحتضن المسرحيات القومية وفرقة السودان للتمثيل وفرقة الباليه، وأعيد تنظيم الإدارة العامة للثقافة وازدهرت الحركة الأدبية والفنية فظهر جيل العمالقة من الفنانين في أوج عطائهم برعاية الدولة لا بمحاربتها.
في وسط هذا الرخاء والإنجازات الاقتصادية والثقافية جاءت أكتوبر. والسؤال الذي حجبته الأغاني: لماذا يسقط نظام مستقر ومنجز ورخي؟ هنا كانت الحاجة لاختراع جرائم لعبود تبرر إسقاطه، فكانت أكذوبتان كبيرتان.
الأكذوبة الأولى أن عبود باع مياه النيل لمصر. والحقائق الموثقة تقول إن حصة السودان قبل عبود حسب اتفاقية 1929م الاستعمارية التي وقعتها بريطانيا نيابة عن أهل السودان كانت 4 مليار متر مكعب فقط مقابل 48 مليار لمصر. وبدأت المفاوضات حول إعادة القسمة منذ أول حكومة وطنية في 1954م في عهد رئيس الوزراء الأسبق إسماعيل الأزهري واستمرت في عهد عبد الله خليل، ولم توقع إلا في (8 نوفمبر 1959م) في عهد عبود. الاتفاقية اعتبرت الإيراد الكلي عند أسوان 84 مليار متر مكعب، يخصم 10 مليار فاقد تبخر في بحيرة السد، يبقى 74 مليار، وزعت الفائدة من السد العالي وهي 22 مليار بواقع 7.5 مليار لمصر و14.5 مليار للسودان، ليصبح الإجمالي النهائي 55.5 مليار لمصر و18.5 مليار للسودان. أي أن عبود رفع حصة السودان من 4 إلى 18.5 مليار بزيادة 362%، إضافة إلى انتزاع حق السودان في بناء خزان الروصيرص، وتعهد مصر بمنح السودان قرضا بـ 30 مليون دولار لتمويله.

الأكذوبة الثانية إغراق حلفا، وصورتها الأغاني كبيع للوطن. والحقيقة أن غمر حلفا كان نتيجة هندسية حتمية لبناء السد العالي، وكان مطروحََا منذ 1954م وكل الحكومات الحزبية وافقت عليه مبدئيََا لكنها هربت من التنفيذ. التعويض المنصوص عليه في ملحق الاتفاقية كان 15 مليون جنيه مصري على أربع دفعات بين 1960م و1963م، بينما أنفقت حكومة عبود على إعادة التوطين نحو 37 مليون جنيه، أي أكثر من 250% من قيمة التعويض، فبنت مدينة حلفا الجديدة كاملة بمدارسها ومستشفياتها ومصانعها، ومشروع حلفا الجديدة الزراعي لزراعة القطن والحبوب وقصب السكر، ونقلت نحو 50,000 من أهلنا النوبيين عام 1964م وآخر فوج غادر في يونيو 1964م.

لماذا إذن كل هذا التحامل المصحوب بالغناء؟ التوقيت يجيب بموضوعية. في 1963-1964م كان التمرد في جنوب السودان يحتضر تحت ضربات الجيش، وكانت تقارير مجلس الكنائس العالمي في جنيف، وهو الممول والمسلح الرئيس للأنيانيا عبر يوغندا وكينيا، تتحدث عن قرب انهيار التمرد. كان المجلس يدير شبكة إغاثات وكنائس وإعلامََا يروج أن نظام الخرطوم يضطهد المسيحيين. وكان سقوط عبود هو السبيل الوحيد لرفع الضغط العسكري،نعم سقوط عبود الذي اسقط صنمهم الذي بنوه في جنوب السودان وجنوب كردفان عبر سياسة المناطق المقفولة لتكون هذه المناطق حديقة خلفية لهم لبتحركوا بحرية في نشاطهم التبشيري،لذلك حرك مجلس الكنائس أذرعه المحلية في الجامعات والنقابات التي اخترقها اليسار، والإذاعات الخارجية، فحولت حادثة مقتل القرشي من حادثة عرضية إلى وقود للثورة، وتم تغليفها بأوراق أكتوبر الأخضر السلفانية الأنيقة حتى لا يسأل أحد عن المستفيد. والدليل الموضوعي أن أول قرارات حكومة أكتوبر لم تكن اقتصادية ولا تنموية، بل كانت وقف إطلاق النار في الجنوب، وإعادة المبشرين المطرودين، وفتح الجنوب أمام الإغاثات الكنسية، والدعوة لمؤتمر المائدة المستديرة، أي إنقاذ التمرد وإعادته للحياة.
هكذا، عندما ننزع عن أكتوبر غناء هاشم صديق وصوت وردي، نجد أمامنا ثورة لم تحرر شعبََا إنما حررت تمردََا، ولم تبن وطنََا بل كسرت دولة مستقرة ومنجزة أنشأت التلفزيون والمسرح القومي والمصانع والمدارس والخزانات.

الحقيقة المرة أن أكتوبر كانت ثورة مصنوعة فتحت الباب لستين سنة قادمة من حلقات مفرغة،حكومة حزبية ضعيفة ففوضى فانقلاب عسكري… لقد كان عهد عبود رخاء بلا ديون، واستقرارََا بلا حروب، وثقافة بلا مزايدة، وإنجازََا بلا هتاف. وكان ثمن إسقاطه بأغانٍ حالمة وهتافات غرة أن دفع أهل السودان كلفة فاتورة باهظة لا زالت مستمرة.

↑
Exit mobile version