تقارير

ملأتها بأنصارها وبالغرباء.. هل تعيد الدعم السريع سيناريو الخرطوم بالفاشر؟

الأحداث – تقرير
الفاشر- في مخيمات النزوح المكتظة بمنطقة طويلة، على بعد 68 كيلومترا غرب الفاشر عاصمة شمال دارفور، يجلس محمد عبد الرحمن على الأرض، ينظر إلى الشرق حيث تبقى منزله في الفاشر التي تركها قبل أشهر.

وقال للجزيرة نت “لدي عقد ملكية منزلي في حي الثورة. أعرف أنه ما زال قائما، لكني سمعت من أقارب وصلوا مؤخرا أن فيه أناسا آخرين سكنوه. سؤالي الوحيد: متى سأسترده؟”.

ومحمد (47 عاما) هو واحد من مئات الآلاف من سكان الفاشر الذين نزحوا قسرا، تاركين خلفهم منازلهم وممتلكاتهم. فالمدينة التي عانت حصارا دام أكثر من 18 شهرا، صارت اليوم مفتوحة على مصراعيها لغرباء جدد، في مشهد يعيد إلى الأذهان سيناريو منازل الخرطوم الذي عاشته قبل تحريرها.

جرائم إبادة جماعية

ففي الخرطوم وأم درمان، عادت الحياة تدريجيا إلى طبيعتها بعد طرد قوات الدعم السريع منتصف عام 2025. وعاد آلاف النازحين طواعية إلى منازلهم، بالتزامن مع إعادة فتح الأسواق والمستشفيات والمرافق الحكومية.

ولكن ما يحدث اليوم في الفاشر هو عكس ذلك تماما، حيث تسعى الدعم السريع في الغرب إلى تثبيت وجودها عبر ملء الفراغ السكاني بأنصارها، في محاكاة لسيناريو العاصمة. وهو ما يطرح أسئلة: من يملأ الفراغ السكاني الهائل الذي خلّفه تهجير سكان الفاشر؟ ولماذا تغيب إرادة المجتمع الدولي عن مواجهة هذا المشروع؟

ولم تكن مأساة الفاشر وليدة الصدفة. ففي 19 فبراير 2026، أصدرت بعثة الأمم المتحدة المستقلة لتقصي الحقائق تقريرا بعنوان “خصائص الإبادة الجماعية في الفاشر”، أكد أن “قوات الدعم السريع ارتكبت جرائم تحمل سمات الإبادة الجماعية”.

وقال رئيس البعثة محمد شاندي عثمان إن “الجرائم لم تكن أعمال حرب معزولة، بل عملية مخططة ومنظمة”.

وزارت منظمة أطباء بلا حدود المدينة في 15 يناير 2026، وخلصت إلى أنها تحولت إلى “مدينة أشباح” خالية من سكانها. وجاء في تقريرها: “رأينا مناطق مدمرة، خالية إلى حد كبير من الناس”.

تهجير ونهب

وتشير شهادات النازحين الذين تواصلوا مع أقاربهم في الفاشر إلى أن أحياء محددة أصبحت مسرحا لاستيطان وجوه جديدة، وهي بالدرجة الأولى أبو شوك، والثورة شمال، وتكارير.

وقالت النازحة هدى آدم الموجودة في منطقة طويلة، للجزيرة نت: “فوجئنا بأقارب لنا تمكنوا من زيارة منازلهم والتعرف على الحي يخبروننا أن في بيوتنا بالفاشر أشخاصا آخرين الآن. سألتهم: من هم؟ قالوا لنا أناس لا نعرفهم، وجوه غريبة لم نرها في الحي من قبل. أبناؤنا سألونا: هل سنعود إلى بيتنا يوما؟ لم نعرف ما نقول”.

من جانبه، أكد مصطفى بره مسؤول هيئة ضحايا الإبادة الجماعية بشمال دارفور للجزيرة نت أن “قوات الدعم السريع لم تكتفِ بتهجير السكان، بل عمدت إلى نهب محتويات المنازل من أثاث وأجهزة وممتلكات شخصية، لتتحول البيوت إلى بؤر خاوية تسكنها وجوه جديدة”.

وأضاف “حي الثورة الذي تقطنه عائلتي، شهد وصول نحو 25 أسرة جديدة إلى منازل المدنيين، والبعض الذين حاولوا العودة تعرضوا للطرد والتهديد بالقتل”.

بدوره، كشف عبد القادر يحيى عبد الله، وهو ناشط سياسي ونازح من الفاشر، للجزيرة نت أن عمليات التهجير بدأت منذ اندلاع الحرب، حيث تم إفراغ أكثر من 300 قرية من سكانها الأصليين حول المدينة. ووصف ما يحدث بأنه “إحلال لأشخاص قادمين من شرق تشاد” بممارسات تتراوح بين الترغيب والترهيب لسكان القرى المجاورة.

مستوطنون غرباء
وبحسب شهادات ميدانية ونشطاء محليين، فإن غالبية القادمين الجدد إلى الفاشر هم من العرب الرحل قادمين من مناطق شمال دارفور، وتحديدا من “الدمر”، إضافة إلى أعداد من تشاد ودول الجوار، وبعض عائلات وعناصر قوات الدعم السريع.

وأوضح عبد القادر يحيى عبد الله: “لقد سكنوا بيوت جيراننا وعائلات بأكملها في حي الثورة. هم عرب رحل، معظمهم قادمون من مناطق الدمر. ليسوا مهجرين مثلنا، بل جاؤوا ليملؤوا الفراغ الذي تركناه بتسهيلات من الدعم السريع”.

وفي حديثه للجزيرة نت، وصف عبد الناصر سالم الخبير في حقوق الإنسان ومدير برنامج شرق أفريقيا بمركز فوكس للأبحاث بالسويد، هذه العملية بأنها “تغيير متعمد ومخطط للواقع السكاني”. وبيّن: “ما يحدث في الفاشر لا يمكن النظر إليه كحدث عابر أو نتيجة طبيعية للحرب فقط. ملء الفراغ السكاني بقوة السلاح يثير مخاوف حقيقية من تغيير ديمغرافي طويل الأمد يصعب إصلاحه لاحقا”.

وأكد أنه إذا تم توطين مجموعات جديدة في المناطق التي أُفرغت قسرا من سكانها الأصليين، فإن ذلك يؤدي إلى خلق واقع جديد على الأرض يضرب بعرض الحائط حقوق الإنسان الأساسية، وفي مقدمتها الحق في العودة إلى الديار والممتلكات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى