كنتُ منتدباً لوزارة الثقافة الاتحادية، بالمجلس القومي لرعاية الثقافة والفنون، وكنت شاهداً ومتابعاً لمبادرة «مكتبة الحي المجانية» للأستاذة ملاذ حسين خوجلي، وهي تجربة رائدة وجدت صدى وقبولاً كبيرين، وكشفت في الوقت نفسه عن ضعف التخطيط وفجوة توظيف المكتبات، وجعلها فضاءات حية تنبض بالمعرفة والثقافة.
وعند تدشين المبادرة خارج العاصمة الخرطوم، في ولاية سنار، رافقنا الزميل الصحفي عزمي عبد الرازق. وما دعاني لاستحضار هذه التجربة أن صاحبة المبادرة، رغم امتلاكها رؤية وأفكاراً قابلة للتطوير، لم تجد الدعم والسند الكافي لتحويل فكرتها إلى مشروع مؤسسي واسع.
ولعل ما نتابعه اليوم، عبر صفحات «فيسبوك»، من نشاط وتطور مكتبة بورتسودان المركزية العامة، يقدم نموذجاً جديراً بالتأمل. فقد أصبحت المكتبة واجهة فكرية وثقافية مهمة للسودان، خاصة في هذه السنوات التي فرضت فيها الحرب الوجودية على البلاد، واستهدفت هويته.
ومن مذكرات التفاهم والانفتاح الفكري والمعرفي على العالم، شرقاً حتى الصين، وعربياً عبر قطر والقاهرة، وكذلك روسيا، إلى زيارات الكتاب والدبلوماسيين، واستقبال الباحثين والطلاب، تؤسس المكتبة لجذور معرفية داخل المجتمع.
كما أن عقد مؤتمرات المكتبات وتدشين الكتب والأنشطة الثقافية المختلفة، يمثل شأناً عظيماً، ويعبر عن عمق التفكير النقدي في ولاية البحر الأحمر، بوصفها بوابة السودان الأولى، وانفتاحها على العالم.
وكأنها تقول للعالم، بروح العبارة الصينية: «البقرة صينية، واللبن للجميع».
وبهذا النشاط، ابتدرت مكتبة بورتسودان حواراً فكرياً واجتماعياً يعزز قيم السلم الاجتماعي والوطني.
ومن هنا أناشد وزارة التربية والتعليم، ومعها والي ولاية البحر الأحمر، أن تمنح مكتبة بورتسودان العامة فرصة تأسيس مشروع للمكتبات المدرسية بالولاية، لتصبح المدرسة فضاءً للقراءة والمعرفة والحوار.