ميلاد النور…سيرة الأخلاق والرحمة

بقلم: عبدالعزيز يعقوب- فلادليفيا
‏ayagoub@gmail.com
٢٥ اغسطس ٢٠٢٦

كلما أقبل المولد النبوي، عادت إلى الذاكرة سيرة ذلك الطفل الذي جاء إلى الدنيا خفيفًا من متاعها، مثقلًا بقدرها؛ وُلد يتيم الأب، ثم غابت عنه أمه، وتبعها جدّه، فتوالت عليه مرارات الفقد قبل أن تكتمل طفولته.
ومع ذلك، لم يصنع اليُتم منه قلبًا قاسيًا، ولم يترك الفقد في روحه مرارةً تجاه الحياة. كأن يدًا من العناية كانت تهيئ ذلك القلب، في صمتٍ لا تراه العيون، ليعرف وجع الإنسان قبل أن يحمل رسالة الإنسان؛ وليصبح أكثر الناس رحمةً بمن أوجعتهم الحياة.
كبر محمد ﷺ، وكبرت معه أمانته وصدقه حتى عرفته مكة قبل أن تعرف رسالته. كان يمضي بين الناس بقلبٍ نقي، ووجهٍ لا يحمل غدرًا، وكلمةٍ لا تعرف الخيانة، حتى استقر في وجدانهم اسمًا يسبق كل اسم: الصادق الأمين.
ثم جاءه الوحي، فبدأ فصلٌ جديد من أعظم فصول التاريخ الإنساني. وما كان الطريق بعد ذلك مفروشًا بالورود؛ فقد ضاقت مكة برسالته، وآذته، وحاصرته، وأخرجته من موطن طفولته وذكرياته.
فخرج مهاجرًا.
ترك الدار، لكنه لم يترك الوفاء. فارق المكان، لكنه لم يفارق الرحمة. حمل معه وجع الفراق، ومضى إلى المدينة، لا هاربًا من ماضٍ، وإنما حاملًا رسالةً ستفتح للمستقبل أبوابه.
وهناك، لم تكن الهجرة مجرد انتقال من أرض إلى أرض؛ كانت ميلاد مجتمع جديد. وجد المهاجر أخًا، ووجد الغريب وطنًا، ووجد الضعيف سندًا. التقت القلوب قبل المصالح، وصارت الأخوّة جسرًا يعبر عليه الإنسان من مرارة الفقد إلى رحابة الحياة.
ثم مضت الأيام، ودارت الأيام، حتى عاد محمد ﷺ إلى مكة التي أخرجته، عائدًا إليها لا منكسرًا ولا طالب ثأر، بل في موضع القوة والقدرة.
وهنا تبلغ السيرة واحدةً من أبهى لحظاتها.
فالقوة، حين تكون مجرد قدرة على البطش، ليست فضيلة. وإنما تسمو القوة حين تستطيع أن تنتصر ولا تنتقم، وأن تملك ولا تستبد، وأن تقدر على العقاب ثم تختار الرحمة.
ذلك هو محمد ﷺ؛ إنسانٌ ذاق اليُتم فلم يقسُ، وعرف الفقد فلم يحقد، وتألم فلم يجعل الألم ميراثًا، وهُجّر فلم ينكسر، وانتصر فلم يتحول انتصاره إلى ثأر.
ولهذا فإن المولد ليس مجرد ذكرى لميلادٍ مضى، ولا مناسبةً تتكرر في التقويم ثم تنقضي. إنه لحظة نستعيد فيها شيئًا من المعنى الذي قد تفقده الحياة وسط ضجيجها؛ نعود فيها إلى الصدق حين تكثر المراوغة، وإلى الرحمة حين تقسو القلوب، وإلى الأمانة حين تصبح الكلمات خفيفة، وإلى الإنسان حين تنسينا القوة إنسانيتنا.
وفي السودان، تأتي هذه الذكرى وقلوب كثيرة مثقلة بالفقد، وبيوت كثيرة غاب عنها أهلها، وأطفال عرفوا من الخوف ما كان ينبغي ألا يعرفوه، وأسر فرقتها الحرب، ونازحون ما زالوا يحملون في ذاكرتهم أبوابًا ووجوهًا وأمكنةً يتمنون أن يعودوا إليها.
ولذلك ربما يكون أجمل ما نهديه إلى هذه الذكرى أن نتذكر أن الرحمة ليست كلمةً تُقال، بل يدٌ تمتد، وقلبٌ يعفو، وحقٌّ يُصان، وإنسانٌ لا يُترك وحيدًا أمام محنته.
أن نتذكر أن الوطن لا يشفى بالكراهية، وأن الجراح لا ينبغي أن تصبح ميراثًا للأبناء، وأن الاختلاف مهما اتسع لا يسقط عن الإنسان حقه في الكرامة، وأن القوة التي لا تحمي الإنسان تفقد معناها مهما عظمت.
فما أحوجنا، ونحن نحتفي بميلاد المصطفى ﷺ، إلى أن يولد فينا شيء من أخلاقه: أن نكون أرحم في اختلافنا، وأصدق في كلماتنا، وأوفى في عهودنا، وأكرم في قدرتنا، وأوسع صدرًا لمن أثقلتهم الحياة.
فمحمد ﷺ لم يترك للإنسان سيرةً تُروى فحسب؛ ترك له ميزانًا يرى به نفسه: ماذا نفعل حين نتألم؟ ماذا نصنع حين نُظلم؟ وكيف نتصرف حين تصبح القوة في أيدينا؟
وهنا تكمن عظمة السيرة؛ فهي لا تعلمنا كيف ننتصر على الآخرين فقط، بل كيف لا نخسر أنفسنا ونحن ننتصر.

اللهم صل وسلم على محمد، الذي خرج من اليُتم إلى الرحمة، ومن الفقد إلى العطاء، ومن الهجرة إلى البناء، ومن القدرة إلى الصفح.
اللهم اجعل في مولده نورًا يسكن قلوبنا، ورحمةً تتسع للناس، وصدقًا يطهّر كلماتنا، وأمانةً تحفظ أيدينا، وعدلًا يصون حقوقنا، وسلامًا يرد إلى الخائفين طمأنينتهم.
واجعل للسودان في هذه الذكرى فرجًا بعد عسر، وأمنًا بعد خوف، ولقاءً بعد فراق، وعودةً بعد نزوح، وطمأنينةً تعود إلى البيوت والقلوب.
اللهم ردّ إلى أهلنا ديارهم، واجبر كسر قلوبهم، وارحم من فقدوا، واحفظ من بقي، واجعل ما مررنا به عبرةً لا تتكرر، وجسرًا نعبر عليه إلى وطنٍ أرحب رحمةً، وأصدق عدلًا، وأمنًا للإنسان.
وصلّى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

Exit mobile version