معهد دراسات أمنية بجنوب أفريقيا : تضارب مصالح الوسطاء و الاستثناءات السياسية تعرقل الوصول لسلام ووفاق سياسي بالسودان

الأحداث – وكالات
ألمح معهدٌ جنوب أفريقي للدراسات الأمنية والاقتصادية، إلى أن استبعاد أي قوة سياسية من معادلة تحقيق السلام والتقدم السياسي في السودان لن يُجدي نفعاُ، إذ العملية تتطلب نهجًا شاملًا يُراعي جميع القوى السياسية في البلاد.

وذكر معهد الدراسات الأمنية في مقالٍ نُشر هذا الأسبوع أن تحقيق السلام يتطلب التزام جميع الأطراف المعنية، وأنه على الرغم من الجهود الدبلوماسية الكبيرة المبذولة الآن إلا أن “التحدي الرئيسي يكمن في وضع استراتيجية سياسية لمعالجة الانقسامات الأيديولوجية العميقة في البلاد وجهود الوساطة المتنافسة”.

ويركز المقال، الذي نشره معهد الدراسات الأمنية، الذي يُعرّف نفسه بأنه المنصة السياسية الرائدة في أفريقيا للسلام والأمن، على كيفية تدمير الحرب في السودان لمستقبل البلاد التنموي ويشير إلى أن السودان، حتى قبل اندلاع الحرب الحالية، كان يعكس مفارقةً بينة فهو يمتلك إمكانات هائلة لكن يقابلها أداءٍ متدنٍ باستمرار.

وقد سلط المقال الضوء على حقيقة أن البلاد تمتلك موارد طبيعية كبيرة، وإمكانات زراعية هائلة، وموقعًا استراتيجيًا على طرق الشحن في البحر الأحمر، فضلًا عن شريحة واسعة من الشباب ومع ذلك، أشار المعهد إلى أن هذه الفرص قد قُيّدت بسبب الصراع المتكرر، وعدم الاستقرار السياسي، وانفصال جنوب السودان عام 2011، والعقوبات الدولية، والصدمات العالمية مثل جائحة كوفيد-19.

يضيف المعهد أن موقع السودان على طول حزام الصراع الممتد من الساحل الأفريقي غرباً إلى اليمن شرقاً يُعرّضه لانعدام الأمن الإقليمي، مما يؤدي إلى احتكاكات دورية مع اثنين من أهم جيرانه هما مصر وإثيوبيا.

وقالت المقالة “يُظهر تقييم كمي لتكاليف الحرب، أجراه فريق “مستقبل أفريقيا” التابع لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومعهد الدراسات الأمنية، اقتصادًا عالقًا في دوامة من الانكماش، وتفاقم الفقر، واتساع عدم المساواة”.

وأوضحت المقالة أن التحليل يؤكد أن الصراع العنيف هو العائق الأكبر أمام تنمية السودان، حيث يُقوّض بشكل مباشر جميع أبعاد التنمية البشرية، و نبهت إلى أن هذه الحرب تدفع مسار التنمية الهش أصلاً نحو الانهيار التام.

وذكرت المقالة أن “الدراسة تُقدّر أن السودان خسر 6.4 مليار دولار أمريكي في عام 2023 وحده بسبب النزاع، أي ما يعادل خسارة في دخل الفرد تُقدّر بنحو 500 دولار أمريكي، مما يدفع سبعة ملايين شخص إضافي إلى براثن الفقر المدقع”. وأضافت أن متوسط مستويات الدخل انخفض إلى مستويات عام 1992، وأن الفقر المدقع أسوأ مما كان عليه في ثمانينيات القرن الماضي.

ووفقًا للمعهد المتخصص في الدراسات الأمنية والاقتصادية في أفريقيا وخارجها، فإن مستقبل السودان لن يُحسم باتفاق واحد أو ضخ تمويلي واحد، بل سيعتمد على ما إذا كان السلام سيدوم لفترة كافية لإعادة بناء الحكم، وما إذا كان الحكم سيتحسن بما يكفي لتحويل الاستثمارات إلى مكاسب تنموية.

وأضافت: “إن تحقيق السلام يتطلب التزام جميع الأطراف المعنية. ورغم الجهود الدبلوماسية الكبيرة، “يكمن التحدي الرئيسي في وضع استراتيجية سياسية لمعالجة الانقسامات الأيديولوجية العميقة في البلاد وجهود الوساطة المتنافسة”.

وأكدت كذلك أنه على الرغم من العديد من المناقشات ومفاوضات السلام، بما في ذلك إطار جدة الذي يسرته الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية، فإن الحرب لا تزال مستمرة. ولم تُثمر الجهود الدبلوماسية الأخيرة، بما في ذلك تلك التي بذلتها الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية ومصر والإمارات العربية المتحدة (التحالف الرباعي) والتحالف الخماسي بقيادة الاتحاد الأفريقي (مع الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية، والأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي، وجامعة الدول العربية)، عن النتيجة المرجوة…ويعود فشل هذه المفاوضات والاتفاقيات إلى أسباب عميقة.

تُبرز هذه الانقسامات داخل وبين الجماعات السياسية والمدنية السودانية. كما تعكس الجهود المتضاربة والمتداخلة التي تبذلها جهات دبلوماسية خارجية ذات مصالح متضاربة، والتي يبدو أنها تعمل جميعها في اتجاهات معاكسة.

ونصح المعهد المتخصص بأن الوساطة الناجحة تتطلب هيكلاً موحداً يربط بين وقف إطلاق النار، ووصول المساعدات الإنسانية، والحوار المدني، والمساءلة، والانتقال السياسي، مع تحديد مهام محددة لكل جهد دبلوماسي.

وأوضح المعهد أنه “على سبيل المثال، يمكن لإطار جدة أن يركز على ضمان وقف إطلاق النار، بينما يمكن لمجموعة الحوار الرباعي (كواد) استخدام نفوذها للحد من الدعم العسكري الخارجي. ويمكن لمجموعة الحوار الخماسي (الخماسي) أن تقود عملية لتوجيه الانتقال السياسي في السودان من خلال حوار سياسي شامل”.

وأوصى المعهد أيضاً بضرورة أن تُعطي جهود السلام الأولوية للاتفاقيات التي تحمي البنية التحتية الحيوية، مثل الأسواق والمستشفيات وشبكات المياه في المناطق المعرضة للمجاعة. كما تحتاج منصات النفط، التي تُعد مخزناً للموارد اللازمة بعد انتهاء النزاع، إلى الحماية.

ويرى المقال أن تخصيص الموارد الوطنية والمساءلة سيكونان جوهر المفاوضات، وربما من بين أكثر القضايا تعقيداً التي يجب حلها، لارتباطهما بتفكك السودان كدولة. هذا يعني أن الشفافية في تحصيل الإيرادات وتقاسمها، والمساءلة، ستكونان أساسيتين للتوصل إلى اتفاق دائم.

ومن بين التوصيات المهمة التي طرحها المقال، والتي تتوافق مع موقف الحكومة السودانية وممثلها لدى الأمم المتحدة، ضرورة أن “يتحرك المجتمع الدولي بحزم للقضاء على شبكة تهريب الأسلحة عبر الحدود، وتسهيل تجارة الذهب غير المشروعة، وتمويل الصراع، إلى جانب الدعم السياسي الخارجي، مما يقوض جهود السلام في السودان”.

كما أوصى المقال بربط السلام في نهاية المطاف بإعادة الإعمار الاقتصادي، ووضع إطار للمساءلة يعزز الحوكمة، وينعش القطاعات الإنتاجية، ويوسع الفرص الاقتصادية. وبذلك، يستطيع السودان الانتقال من مرحلة الهشاشة إلى مرحلة التعافي، ومن مرحلة الإمكانات إلى مرحلة التحول طويل الأمد.

نقلا عن “المحقق”

Exit mobile version