معضلة التنمية المستدامة في السودان وواقع التمويل .. الزراعة نموذجاً

أ.د. حسين سليمان محمد أحمد

يعاني الأقتصاد السوداني من مشكلة بنيوية، على المستوى القاعدي، ونقصد به مستوى الحي، والقرية والفريق، أو على مستوى مكان العمل بالنسبة للقطاع المنظم. تنظيم السكان في تكوينات قاعدية، يسهل إدارتهم، وييسر وصول التمويل إليهم، ويسهل تكوين سلاسل القيمة لديهم، ويفتح سلاسل الإمداد منهم وإليهم.

القانون السائد في السودان، الذي ينظم العلاقة بين المنتجين هو “قانون أصحاب مهن الإنتاج الزراعي والحيواني، وكلمة “أصحاب” مصطلح معرفته مهمة وفي الإنجليزية يعني owners، أي مُلاك، وملاك تعني أن كل عضو ينضم إلى هذه التكوين، ينبغي أن يكون صاحب ملك، إن كانت أرض، أو رؤوس من الماشية، أو يمتلك أصل من الأصول الثابتة أو المتحركة.

وكما ذكر لي الأخ عبد الحميد ٱدم مختار، العضور السابق في إتحاد المزارعين لعدة دورات، والعضو النشط في القطاع الزراعي في إقليم النيل أزرق مع رفاقه في تنظيمي القلعة والمحريب، أن هذا القانون قام على أنقاض قانوني إتحادي الرعاة، الشق الحيواني من الزراعة، وإتحاد المزارعين، الشق النباتي من الزراعة، والعلة في ذلك أن القطاع الرعوي بمفهومه الراحل Nomadic، الذي كان سائدا حتي السبعين من القرن الماضي، وفيه الرحل يجوبون المراعي، طلبا للماء والكلأ، قد إضمحلت نسبته إلى أقل من 1%، من أعداد المزارعين، ونقصد بالرحل كما وصفهم د.عبد الغفار الشريف في كتابه “المجتمع الريفي السوداني عنصر حركته وإتجاهاتها” أن الراحل “هو الشخص الذي ليس لديه مسكن في القرية أو المدينة، ولا يقوم بالنشاط الزراعي النباتي، ويحصل على الحبوب الغذائية بالشراء من السوق” ونتيجة لاضمحلال قطاع الرحل وفقاً لهذا التعريف للتغير في نمطهم الظاعن، وبدأ إستقرار الرحل ودخولهم في إمتهان الزراعة النباتية، جنباً إلى جنب مع تربية الحيوان، وفي الجانب الٱخر بدأ مزارعو الشق النباتي المستقرين في زيادة أعداد تربية الحيوان، بالذات أصحاب المشروعات الكبيرة، لتتغذى الحيوانات على مخلفات الزراعة النباتية، واكتشف الجانبان أن الجمع بين النشاط الزراعي النباتي، وتربية الحيوان، أكثر ربحية، من إمتهان نشاط واحد منفرداً. ولهذا السبب تم دمج قانوني إتحادي الرعاة والمزارعين في قانون “أصحاب مهن الإنتاج الزراعي والحيواني”. بالإضافة لذلك إستوعب القانون جزءاً من روح قانون العمل الطوعي في السودان، وقانون التعاون.

ولكن بالنسبة لقانون التعاون، أهمل المشرع أهم نقطة فيه، وهي تمثل نقطة الضعف في قانون “أصحاب مهن الإنتاج الزراعي والحيواني” وهي “تكوين أو توليد رأس المال في الجمعيه التعاونية” وكانت الجمعيات التعاونية تولد المال بداخلها من خلال عدة بنود إيرادية متمثلة في دفع إشتراك سهم الدخول للأعضاء الجدد، ويتجدد هذا الإشتراك سنويا، ثم شراء الأسهم، والمال الذي يتكون، يقرض لبعض الأعضاء، بذات طرق الإقراض البنكية، بهدف تنميته وزيادته والمحافظة عليه.

وحتى يعالح “قانون أصحاب مهن الإنتاج الزراعي والحيواني لهذه الثغرة في الوقت الراهن، عند إنعقاد الجمعية العامة لأي تنظيم، أن توصي بقيام الصندوق المالي داخل التنظيم وتحدد مصادر الدخل فيه، لحين إدخال المشرع لهذا التعديل على قانون أصحاب مهن الإنتاج الزراعي والحيواني.

ومن المهم هنا الإشارة إلى أن بعض الولايات تشترط على المزارعين تكوين الجمعيات التعاونية، حتى يكونوا مؤهلين لمنحهم التمويل، ولذلك لابد للقائمين على الأمر توضيح موضوع التنظيمات، إن كانت الحركة التعاونية لازالت تعمل والمساحة التي تعمل فيها.

إن ما حدا بي لكتابة هذا المقال، هو أن هناك تمويلاً ضخماً خصص للزراعة الصيفية لهذا العام، وحسنا فعل متخذ القرار في إعطاء الأولوية للقطاع الزراعي، في وقت يعاني فيه الأقتصاد السوداني من عدم كفاية التمويل، لذلك وحتى لايذهب بعض المال هدرا، أو يخصص لغير المنتجين الحقيقيين، أو حتي لايُمنح المنتجون الحقيقيون مالاً أقل من الذي يكفيهم لتنفيذ وإنجاز أنشطتهم الأساسية، ينبغي أن يكون التمويل عبر التنظيمات، وأن يقدم طالب التمويل دراسة جدوى مشروعه أو طلب تمويله عبر التنظيم القاعدي الذي ينتمي إليه، لأن التنظيم يعرف القدرة الإئتمانية للعضو، وهل بإمكانه تنفيذ الدراسة ام لا، والأهم من ذلك مراقبته له أثناء التنفيذ، حتى يتأكد التنظيم، أن العضو نفذ المشروع حسب دراسة الجدوى التي قدمها بغرض التمويل، وأن التمويل خصص للغرض الذي صودق له. صفوة القول أن التنظيمات القاعدية هي البناء القاعدي المفقود في بعض ربوع السودان – الاقتصاد السوداني، والموجود منها تنقصه التكوينات الرأسمالية داخل التنظيم، وهنا بجب التفريق بين زيادة دخول الأفراد، وبين الصندوق المالي، داخل التنظيم. على مستوى الأفراد تمت تنمية رؤوس الأموال بنسب كبيرة، لذلك يمكن للأعضاء في حالة الدخول الكبيرة، أن يكونوا الصندوق المالي في التنظيم، على أن يعمل الصندوق على الإنتقال إلى القطاع الصناعي، ففي حالة مزارعي القطن، إنشاء المحالج الجماعية، وفي حالة مربي الماشية إقامة المسالخ الجماعية، وفي حالة الحبوب الزيتية، إنشاء المعاصر الضخمة التشاركية، وفي حالة منتجي الصمغ العربي، إنشاء مصانع إنتاج البدرة الميكانيكة والرزازية، وفي حالة منتجي القمح، إنشاء المطاحن، وبذلك يكون قد تم الجمع بين الزراعة النباتية والحيوانية، والصناعات التحويلية، ويمكن لذات المصانع هذه أن تقوم بتطبيق نموذج الزراعة التعاقدية، وسيكون هو الأقرب للمنتجين في الريف السوداني. وبذلك سيكون إصلاح البناء الهيكلي للإقتصاد السوداني على المستوى القاعدي ميسورا، والتمويل قد خصص لغرضه الذي صودق عليه من أجله، وستكون التنمية المستدامة قد تحققت في القطاعين الزراعي والصناعي، اللذان يمثلان قاطرة التنمية الاقتصادية في السودان.

Exit mobile version