رأي

معركة باب المندب ٢٠٢٦

عمار عوض

كلمة الأكيدة | ١٤ سبتمبر

بعد أن أعلنت الولايات المتحدة أنها لن تدخل الحرب مباشرة مع السعودية، وبعد تأكيدات الحوثيين أنهم لن يعيقوا حركة الملاحة، باستثناء سفن «دولة واحدة» لم يسمّها الحوثيون، بدا الاحتمال الأكبر أن تكون الدولة المقصودة هي إسرائيل، خاصة أن الاستهداف والقصف المتبادل بين الطرفين ظل قائماً منذ نهاية العملية الأمريكية، وهو ما قاد إلى الحال الذي عليه ميناء إيلات، الذي صار شبه ميت نتيجة لذلك.

والحال نفسه بالنسبة إلى السعودية، التي هي أصلاً في حرب مفتوحة مع الحوثيين منذ سنوات، بل إن تطورات الحرب الأخيرة تزيد من احتمال أن تكون هي الدولة المقصودة، بعدما أعلن الحوثيون مسبقاً أنهم سيستهدفون سفن التجارة السعودية.

إن سيطرة جماعة الحوثي الأخيرة على جزر في الأرخبيل اليمني تجعل هذا التهديد جدياً، ليس بالنسبة إلى الدولة الوحيدة التي خصّها الحوثي في اتصاله مع الأمريكيين، وإنما لأن التهديد يمتد إلى دول مثل مصر والسودان وإريتريا نفسها، بجانب السعودية والأردن وإسرائيل.

وتأتي مصر في مقدمة الدول التي يمكن أن تتأثر بهذا التطور، إذ ستتأثر حركة الملاحة التي تمنح قناة السويس قيمة مهمة في الاقتصاد المصري. لكن الأمر يتجاوز الاقتصاد إلى إطار الصراع الاستراتيجي الذي يعني فيه البحر الأحمر الكثير، في ظل الصومال وصوماليلاند والاعتراف الإسرائيلي بها، وإثيوبيا التي تبحث عن ميناء على البحر الأحمر من خلال أبواب شتى، وهو ما ترفضه القاهرة في ظل الصراع غير المحسوم حول سد النهضة، وحقوق دول المصب، وسلامة الأجيال القادمة.

وهو الأمر نفسه الذي يتشارك فيه السودان مع مصر من حيث حجم التهديد الأخير الذي فرضته جماعة الحوثي على حرية الملاحة والموقع الاستراتيجي للبحر الأحمر.

فالبحر الأحمر يعني الكثير للسودان، ليس فقط من جهة التجارة أو طول السواحل وما يفرضه الموقع من مزايا وتهديدات، ولكن أيضاً من زاوية وجود السودان في تحالف البحر الأحمر الدفاعي، ووجود قوات سودانية فعلاً من الجيش في خط المواجهة مع الحوثيين في الحد الجنوبي، أو في عمق الأراضي اليمنية.

لكن المسألة بالنسبة إلى السودان تتجاوز المشاركة العسكرية الحالية إلى القدر الاستراتيجي للأجيال القادمة، خصوصاً مع بداية الحديث جدياً عن فرض رسوم عبور للسفن في مضايق التجارة العالمية، سواء في هرمز أو باب المندب نفسه، وما يمثله ذلك من مزايا اقتصادية محتملة في حال تطور مفهوم مشاركة الدول المشاطئة في أمن هذه الممرات، والحصول على رسوم مقابل ذلك.

وهو مفهوم رفضته عُمان في مضيق هرمز، وأعلنت إريتريا رفضها له مبكراً في باب المندب، بجانب إعلانها أنها تنظر إلى اليمن باعتبارها في حالة «لا دولة».

وهذا يعيدنا تحديداً إلى الداخل اليمني، حيث دخلت الحرب اليمنية طوراً خطيراً بسيطرة قوات الحوثي على مواقع استراتيجية على طول الساحل الغربي، في ظل تراجع قوات الشرعية، ليستفيد الحوثي من حالة الاستقطاب السعودي الإماراتي على الأرض اليمنية.

هنا تبدو الحلقة الأولى التي يجب النظر فيها باهتمام، ليس فقط من زاوية الاتصال بين وزيري خارجية الإمارات والسعودية، الذي ناقش المستجدات على الأرض، وبالضرورة أن ذلك سيصل إلى ميدان المعركة التي تجري بين الحوثيين المدعومين بالخبراء الإيرانيين، في إطار حرب أكبر تدور في بحر عُمان ومضيق هرمز.

فالإمارات تفهم جيداً معنى الجزر وإيران والمضيق وطنب الصغرى وطنب الكبرى، وهي تعرف قيمة الموقع الجغرافي في أي صراع بحري. ولذلك فإن وجود الحوثي في مضيق باب المندب لا يمكن النظر إليه فقط على المدى التكتيكي للمعركة الحالية، وإنما على نحو استراتيجي في قضايا أمن الملاحة والتجارة البحرية، وما قد يترتب عليها مستقبلاً.

والسؤال هنا ليس فقط: من يسيطر على باب المندب؟ وإنما: من يستطيع أن يجعل حرية الملاحة نفسها ورقة في الصراع؟

إن سؤال التهديد والمصلحة المشتركة يفرض على شعوب المنطقة إعادة النظر في حدود التهديد، التي تجعل الحرب شأناً يخص الشعوب بعيداً عن لغة الحدود والجيوش والداخل والخارج.

ليس بالنسبة إلى السودان، الذي هو طرف بقواته على الحدود اليمنية السعودية، وهي المشاركة التي كانت محل احتفاء ونقاش بين السودانيين أنفسهم في الرياض والسودان، ولا بالنسبة إلى مصر التي لها تجربة قديمة ظلت محل نقاش ومواقف واعتبار، ولكن بالنسبة إلى الجميع على البحر الأحمر.

فهل يجب على السودانيين أو المصريين والأردنيين، وحتى قبل السعوديين وغيرهم من الشعوب والأمم المطلة على البحر الأحمر، أن يعيدوا طرح السؤال: أين تقف الحدود التي يجب أن تقاتل فيها لحماية شعبك؟

ربما لم يعد السؤال الحقيقي هو أين تقع الحرب، وإنما إلى أي مدى يمكن أن تصل آثارها.

ففي عالم تستطيع فيه جزيرة صغيرة أن تؤثر في واحد من أهم ممرات التجارة العالمية، وتستطيع فيه جماعة مسلحة أن تهدد سفناً مرتبطة بدولة بعينها، فإن حدود الحرب لا تعود بالضرورة هي الحدود السياسية للدول.

وهنا تصبح معركة باب المندب في ٢٠٢٦ أكبر من معركة على مضيق أو جزر يمنية.

إنها اختبار حقيقي لفكرة الأمن المشترك في البحر الأحمر، وللقدرة على فهم أن ما يحدث في أحد طرفيه يمكن أن يصل، في لحظة واحدة، إلى قناة السويس أو موانئ السودان أو سواحل إريتريا أو الحدود السعودية، وأن أمن الملاحة في النهاية ليس شأناً يمنياً ولا سعودياً وحده، بل مصلحة تتقاطع فيها شعوب ودول البحر الأحمر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى