د. محمد يوسف حسن
قبل أيام وقف المبعوث الأمريكي للدول العربية والأفريقية، مسعد بولس أمام مجلس الأمن يشكو من أن السودان رفض مبادرته. وجاء الرد الفوري من مندوب السودان الدائم في نيويورك مباشرة وبلا مواربة. المبادرة لم ترفض، بل أجرت عليها الجهات الرسمية السودانية تعديلات واضحة، وتم إرسال التعديل إلى السيد بولس كشرط لقبول المبادرة متمثلاً في تفكيك المليشيا الإرهابية ونزع سلاحها وتجميعها في معسكرات خارج المدن في انتظار قبول المبعوث الأمريكي بالتعديل.
وفي تعقيبه على مداخلة مندوب السودان تغيرت نبرة الرجل فجأة بعد أن دحض مندوب السودان الدائم سردية بولس الذي هدف لتسجيل شكوى وتغافل عن تعديلات السودان لتشكيل ضغط عليه. ولكن إنقلب السحر على الساحر.. مما اضطره للتصريح باستعداده للسفر فوراً إلى الخرطوم لمناقشة المبادرة. وجدد يوم الخميس الماضي في حسابه على منصة (×) التعبير عن سروره لما سمعه من مندوب السودان الدائم بنيويورك.
التحول من الشكوى إلى اللهفة لا يمكن قراءته على أنه مجرد حركة دبلوماسية. لكن الراجح أنه بسبب فشل مبررات الشكوى، وانعكاساً لتبدل موازين الميدان، وسقوط مخطط إقليمي كامل، وانسداد كل نوافذ الضغط التي راهنت عليها واشنطن وحلفاؤها.
كما رشح في بعض الوسائط الإعلامية عن اجتماع خماسي عقد في جوبا ضم تشاد وجنوب السودان ويوغندا وكينيا وإثيوبيا ولا يستبعد أن يكون قد تم بإيعاز من الراعي الإماراتي. يرجح أن الهدف منه وضع خطة لإنقاذ المليشيا وإسقاط مدينة الأبيض. لكن التقديرات الميدانية والاستخبارية التي تسربت أشارت إلى صعوبة إحداث المليشيا لأي إختراق يمكنها من التقدم نحو الأبيض. وأن فرص تغيير الواقع العسكري محدودة للغاية. وهذه النتيجة توضح أستنزاف الجيش لمعظم مقدرات المليشيا وتشتيتها في محاور عديدة بهدف قصقصة أطرافها قبل الإنقضاض على قوتها الصلبة. وأصبحت المليشيا لا تستطيع فعل شيء غير إرسال المسيرات من منصات بعيدة لتدمر عشوائياً الأحياء السكنية.
سقوط أي مخطط عسكري لإنقاذ المليشيا الإرهابية تزايد مع الضربات المركزة والدقيقة للجيش وتحقيقه لانتصارات متتالية في محاور النيل الأزرق وكردفان وخلف خطوط العدو في غرب دارفور وهو يتقدم بسرعة نحو الجنينة. الجيش لم يعد في موقع الدفاع، بل بات يتقدم ويوسع مناطق السيطرة. وكما طرد المليشيا من الخرطوم والوسط إلى كردفان وصل الآن “كولبس” و”جبل مون” ومطار “صبيرة” في الجنينة وأصبح على مرمى حجر من عاصمة غرب دارفور وقلب قواعد اللعبة. الرواية التي بنيت عليها مبادرة بولس الأولى سقطت في الميدان. كانت تقوم على فكرة طرفين متساويين يحتاجان إلى هدنة عاجلة. واليوم يقف طرف منتصر ميدانياً في مواجهة طرف يتراجع ويبحث عن مخرج سياسي بأي ثمن. لذلك لم يعد هناك معنى لحديث عن لقاء سويسرا المزعوم قبل عام. واللقاء الأول الحقيقي الآن سيكون مع الفريق البرهان بعد الحسم، لا قبله. وهذا وحده ينفي أي شرعية متساوية كان يراد منحها للمليشيا في المفاوضات.
قبل أن يهرول إلى الخرطوم جربت واشنطن كل أوراقها التقليدية. أولها ورقة العقوبات. السودان صمد سبعة وعشرين عاماً تحت عقوبات أمريكية شاملة من عام 1993 إلى 2020. فكيف تقنع الخرطوم اليوم بأن حفنة عقوبات موجهة ستغير ميزان حرب لم تغيره عقوبات أشد وأقسى على مدى عقود. وثانيها ورقة الانتقائية. العقوبات الجديدة المعلنة الأسبوع الماضي لا تزال تتجنب استهداف شركة مجموعة خدمات الأمن العالمية الإماراتية، وهي الشركة المتهمة بتجنيد مقاتلين كولومبيين للقتال مع قوات الدعم السريع. والسؤال الذي فرض نفسه بقوة كان لماذا تقطعون الأذرع ولا تستهدفون القلب. والإجابة واضحة. الهدف ليس إيقاف الحرب، بل إدارتها عند نقطة تمنع انتصاراً كاملاً للجيش. وثالثها ورقة الشرعنة. عبارة هدنة إنسانية وسلام مستدام التي كررها بولس بدون ذكر الإمارات، تعني محاولة إخراج سياسي للمليشيا بعد الهزيمة الميدانية. أي تحويل قوة مهزومة عسكرياً إلى شريك سياسي في أي تسوية قادمة.
رغبة بولس في مناقشة التعديلات السودانية الآن لا يعني مرونة دبلوماسية مفاجئة. هو اعتراف عملي بأن المبادرة الأصلية سقطت مع سقوط مخطط إسقاط الأبيض. والسفر إلى الخرطوم ليس لحمل مبادرة جديدة، بل طلب إذن للدخول إلى مشهد انتهت معادلاته على الأرض.
نحن أمام تصادم ثلاث إرادات. إرادة الجيش والشعب السوداني تريد استئصال التمرد واستعادة الأمن في كل ربوع البلاد. وإرادة واشنطن وبعض العواصم الأوروبية تريد هدنة تجمد بها الحرب لتوقف انتصارات الجيش ولتؤمن بقاء المليشيا في المشهد السياسي والأمني. وإرادة ما يرجح أنه محور جوبا أبوظبي لتكتشف متأخراً أن مخططها لن يستطيع فعل شيء.
لذلك تبدو حماسة بولس مفهومة. ليست لأنه وجد حلاً، بل لأنه خسر كل الحلول الأخرى.. لأنه وجد الجين السيادي الرافض للإنسان طيلة 37 عاما. Game Over عسكرياً في جوبا، فاخترعوا New Game سياسياً في نيويورك. وظل رد الخرطوم واحداً لا يتغير. اللعبة انتهت، ومن هزمناه ميدانياً لن نشركه سياسياً.