مستقبل علاقة السودان والبنك الدولي .. من التقييم الفني إلى إعادة بناء الإقتصاد

د. مروة فؤاد قباني

يمثل ربط البنك الدولي إستئناف برامجه المتوقفة في السودان بتقييم وضع القطاع الخاص والقطاع المصرفي السوداني رسالة واضحة بأن مرحلة ما بعد الحرب ستبدأ بإعادة بناء وإعمار المؤسسات الاقتصادية القادرة على إدارة التمويل وتحويله إلى تنمية حقيقية.
فالمؤسسات الدولية لا تضخ الموارد في بيئة غير مستقرة أو هياكل مالية عاجزة عن الاستيعاب، بل تبحث أولًا عن الحد الأدنى من الجاهزية المؤسسية والاقتصادية.

لقد تسببت الحرب في السودان في تراجع حاد للنشاط الاقتصادي، وتعطل سلاسل الإمداد، وخروج عدد كبير من الشركات من دائرة الإنتاج، إضافة إلى أضرار واسعة طالت البنية المصرفية من فروع وأنظمة تشغيل وسيولة. لذلك فإن اشتراط التقييم الفني لا يجب فهمه كعقبة سياسية، بل كإجراء فني يهدف إلى ضمان أن أي تمويل جديد سيصل إلى مستحقيه ويحقق أثرًا ملموسًا.

يركز البنك الدولي على القطاع الخاص بإعتباره المحرك الأساسي لأي تعافٍ اقتصادي سريع، فهو القادر على خلق الوظائف، وتحريك الأسواق، واستعادة الإنتاج في الزراعة والصناعة والخدمات. وفي حالة السودان، فإن دعم هذا القطاع يعني إعادة تشغيل المصانع المتوقفة والتي بلغت 90% من القدرة الصناعية في ذروة الحرب. وقد بلغت نسبة ولاية الخرطوم وحدها 1,877 مصنعًا تعرضت للتدمير أو الضرر، منها 553 دُمّرت بالكامل و1,267 تضررت جزئيًا، بحسب تقرير وزارة الصناعة السودانية في نوفمبر 2025. كما أنه لابد من تنشيط التجارة الداخلية والخارجية، وتوفير فرص عمل للشباب والنازحين، وزيادة الإيرادات العامة للدولة، وتقليل الاعتماد على المساعدات الإنسانية.

غير أن القطاع الخاص يحتاج إلى بيئة آمنة، وتمويل مصرفي متاح، وتشريعات مستقرة، وبنية تحتية قادرة على دعم النشاط الاقتصادي.

أما القطاع المصرفي، فيمثل نقطة البداية الحقيقية لأي خطة تنموية، لأن البنوك ليست مجرد خزائن للأموال، بل مؤسسات مسؤولة عن نقل التمويل، وتمويل المشروعات، وضمان المدفوعات، وحفظ الثقة في الاقتصاد. وإذا كان الجهاز المصرفي هشًا وضعيفاً ، فإن أموال الدعم قد تتعطل أو تتبدد.

وتتمثل أبرز التحديات الحالية في ضعف السيولة النقدية، وتعطل أنظمة الدفع والتحويل، وتراجع ثقة المواطنين والمؤسسات في البنوك، وارتفاع مخاطر التمويل، إلى جانب الأضرار المباشرة التي لحقت بالفروع والمقار التشغيلية حيث بلغ عدد الفروع 833 فرعاً منها 100 فرع دمرت بالكامل بنسبة 12% خرجت عن الخدمة بحسب تقرير البنك المركزي مطلع 2026م. أما في ولاية الخرطوم تحديدًا، فالنسبة كانت أعلى بكثير، إذ أشارت تقارير سابقة إلى تدمير ونهب 121 فرعًا مصرفيًا وشركات صرافة داخل العاصمة، ما يعكس أن الخرطوم تحملت النصيب الأكبر من خسائر القطاع المصرفي.

ومن الناحية السياسية والاقتصادية، يبعث البنك الدولي برسالة مزدوجة، مفادها أن على السلطات السودانية إصلاح المؤسسات أولًا، وأن أي دعم دولي قادم سيكون مشروطًا بالشفافية والكفاءة وحسن الإدارة.
وهذا يعني أن السودان أمام فرصة حقيقية، لكنه مطالب بإثبات الجدية في تنفيذ الإصلاحات اللازمة.

وتبدأ الخطة الاستراتيجية المقترحة بمرحلة التقييم السريع خلال الأشهر الثلاثة الأولى، حيث يتم حصر أضرار البنوك والقطاع الخاص، وتحديد المؤسسات القابلة للتشغيل الفوري، وبناء قاعدة بيانات اقتصادية محدثة. ويتطلب ذلك تشكيل لجنة وطنية مشتركة تضم وزارة المالية والبنك المركزي وممثلي القطاع الخاص، مع الاستعانة بخبراء دوليين وإطلاق مسح إقتصادي عاجل في المناطق الآمنة.

ثم تأتي مرحلة الاستقرار المالي خلال الفترة من ثلاثة إلى ستة أشهر، وتهدف إلى إعادة الثقة بالنظام المصرفي واستعادة الخدمات الأساسية للبنوك. وتشمل الإجراءات إعادة تشغيل أنظمة الدفع الإلكتروني، وتوفير السيولة للبنوك العاملة، وضمان الودائع الصغيرة والمتوسطة، وإعادة تأهيل الفروع المتضررة.

وفي المرحلة الثالثة، الممتدة من ستة إلى اثني عشر شهرًا، يتم التركيز على إنعاش القطاع الخاص عبر تحفيز الإنتاج والتوظيف وجذب المستثمرين المحليين والخارجيين. ويتحقق ذلك من خلال إنشاء صندوق تمويل للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، ومنح إعفاءات ضريبية مؤقتة للقطاعات الإنتاجية، وتسهيل تسجيل الشركات والتراخيص، وتوفير برامج تمويل للزراعة والصناعة.

أما المرحلة الرابعة، والتي تمتد من عام إلى عامين، فتقوم على بناء شراكة دولية جديدة تستهدف استئناف برامج البنك الدولي بالكامل وجذب تمويل تنموي طويل الأجل.
ويتطلب ذلك تقديم تقرير إصلاح شامل للبنك الدولي، وتوقيع برامج لإعادة الإعمار والتنمية، وربط التمويل بمشروعات البنية التحتية والتعليم والصحة.

ويتوقف نجاح هذه الخطة على توفر قدر من الاستقرار الأمني، ووجود شفافية مالية كاملة، وتعزيز الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص، وتفعيل آليات مكافحة الفساد، وتبني إدارة اقتصادية محترفة قادرة على اتخاذ القرار وتنفيذ الإصلاحات.

إن استئناف برامج البنك الدولي لن يكون قرارًا سياسيًا فقط، بل نتيجة مباشرة لمدى قدرة السودان على إعادة بناء اقتصاده المؤسسي. وإذا نجحت الحكومة في إصلاح البنوك، وتمكين القطاع الخاص، وتقديم رؤية واضحة للمستقبل، فإن الدعم الدولي قد يتحول من مساعدات مؤقتة إلى شراكة تنموية طويلة الأمد. فالسودان اليوم لا يحتاج فقط إلى أموال، بل إلى ثقة، والثقة لا تُمنح بل تُبنى بالإصلاح والعمل الجاد.

Exit mobile version