مسارات بريطانيا ودموع التماسيح

د. الهيثم الكندي يوسف

ألا يكفي بريطانيا إحتلالها لبلادنا لأكثر من نصف قرن من الزمان، لتأتي هذه المرة عبر وكيلها الإمارات وذراعها مليشيا الدعم السريع لتعيث في بلادنا وتعمل فيها قتلا وتدميراً !
إن دول الغرب تمارس حرفياً المثل القائل (تقتل القتيل وتسير في جنازته)، فهي التي وطوال عقود صدعت آذاننا كذبا وتضليلا بشعارات حقوق الإنسان، بينما هي أكبر من يتعدى على هذه الحقوق ماضيا وحاضرا، ولا توجد إشارات على أنها ستتوقف عن ذلك مستقبلا، فلا تصدقوا أن الذئب سيصادق الحملان ويتوقف عن محاولة أكلها.

فهل ترانا نصدق إن دعوة بريطانيا لوقف إطلاق النار، وفتح مسارات آمنة لخروج المواطنين من مدينة الأبيض، ينبع من خوفها على أن يصيب الأبيض ما أصاب الفاشر؟. الحقيقة الواضحة أن هذه الدعوة لا تعدو عن كونها محاولة لإنقاذ المليشيا من الانهيار، ومحاولة إنتاجها في صورة جديدة والزج بها مجدداً لتخدم أغراض عجزت عن تحقيقيها بالحرب. فماذا فعلت بريطانيا وهي ترى مليشيا الدعم السريع تضرب بالقرارات الدولية عرض الحائط وهي تحاصر الفاشر، وترتكب فيها مايرقى إلى جرائم الإبادة الجماعية عبر التجويع الممنهج، والقتل المباشر والموثق بعد أن احتلتها في أكتوبر 2025. وقبلها ما ارتكبته من جرائم مماثلة في الجنينة والجزيرة والخرطوم.

الواجب على بريطانيا أن تسمي الأشياء بمسمياتها وتطالب مليشيا الدعم السريع بعدم مهاجمة المنشآت المدنية والمدنيين في الأبيض، فهذا هو الخطر الحقيقي الذي يواجهه المواطنون هناك، فلا خوف على الأبيض من السقوط الذي تشيعه غرف المليشيا الإعلامية.

ثمة أسئلة مشروعة تطرح نفسها هنا، منذ متى استيقظ ضمير بريطانيا؟. أليست بريطانيا إحدى دول الرباعية التي هندست الإتفاق الاطاري الذي قاد لهذه الحرب؟. أليست هي من تغافل عن جرائم وانتهاكات المليشيا، ولم تفرض أي عقوبات عليها وعلي قادتها؟. أليست هي من عرقل انعقاد جلسة مجلس الأمن في 30 أبريل 2024 للنظر في شكوى السودان ضد الإمارات لتجريمها بسبب دعمها المالي والعسكري للمليشيا؟. إذاً بريطانيا هي أحد المتسببين الرئيسيين لهذه المأسي التي يعيشها شعب السودان، وهي ذات المآسي التي تدفع الشباب للهجرة غير الشرعية والمجازفة بحياتهم للوصول إليها.

إن الهدف من المسارات البريطانية الخاصة بترتيبات لجوء السودانيين إليها إنما هو إقتصادي وسياسي وأمني، وليس لأسباب إنسانية كما تزعم السلطات البريطانية، ومن يقرأ الشروط المتعلقة ببرنامج اللجوء هذا يتأكد من ذلك، فإن اشتراط أن تتكفل جهة في بريطانيا بتحمل تكلفة اللاجيء (منظمة أو أقرباء من الدرجة الأولى) إنما هو هدف إقتصادي، إذ تسعى الحكومة للتخلص من هذه النفقات التي أثقلت موازنة الدولة في ظل الأزمة الإقتصادية التي يعيشها العالم جراء الحرب الأمريكية الإيرانية، كما أن الحكومة تسعي لتقليص عدد اللاجئين المحتملين لإسكات أصوات اليمين السياسي، فهي بهذا تحقق هدفا سياسيا. كما أن تقليل عدد اللاجئين من شأنه تخفيف الضغط الأمني الذي تجره الجرائم التي يرتكبها هؤلاء المهاجرين، وآخرها محاولة الذبح التي جرت الشهر الماضي في بلفاست.

نحمد الله أن قيادة بلادنا قد انحازت للمواطن وعبرت عن ضميره برفضها أي ترتيبات أو اتفاقات سياسية تعيد المليشيا للمشهد من جديد، مبررة بأن وجود المليشيا بأي صورة كانت سيعيد إشعال الحرب مرة أخرى ..ومن هذا المنطلق فإننا ندعو القيادة للثبات على هذا الموقف وتكثيف العمل على الحسم العسكري.

إن هذه الدعوات البريطانية السياسية والمغلفة بثوب الانسانية، تجعلنا نكتشف يوما بعد الأخر أن الحرب على السودان هي حرب الاستعمار الجديد وأدواته، والسبب هو أن السودان يريد أن يمتلك قراره الوطني، وهو ذات المصير الذي أصاب الدول التي حاولت ذلك كاليمن وليبيا وسوريا وقبلهم العراق والآن إيران. نحن لا نريد من بريطانيا أي مسارات انسانية سواء كانت متعلقة بالاغاثة أو ترتيبات اللجوء لديها، فقط ندعوها لكف أذاها عنا وعن بلادنا.

Exit mobile version