أبلغ ماتبوح به الأنهار تَحدُثها بنعمة ربها خضرة وإرواء وحياة وجمال .. تبسط أكف الرحمة على خرائط الدنيا متحالفة مع الغيوم والغابات والمطر حفية بالنجوم وعاشقة للضفاف والقمر ، وفي فيضها وانحسارها تأتي بالأسرار وقصص العشق القديم …قالوا عن الأنهار أنها سليلة الفراديس، وهي عند جلال الدين الرومي رمز للسعي الروحي والاندماج المطلق ، و الروح البشرية عنده نهر خفي يتدفق داخل الإنسان ومصدره الأساسي الخالق، إذ يقول “في داخلك نهر سري كلما ظننت أنه قد جف فاض من دمعة أو تنهيدة أو من صلاة خرجت من قلب مكسور، ذلك النهر لاينقطع لأن منبعه ليس منك بل من الله” .. وتعكس الأنهار عنده في جريانها رحلة البحث عن الحقيقة وفي تدفقها التلقائي دعوة للقبول بإرادة الخالق وفي تجدد مياهها دعوة للتخلص من ذكريات الماضي السيئة…
وقد سأل شوقي النيل متعجباً كم لك من الزمان “ومن أي عهد في القرى تتدفق .. وبأي كفٍ في المدائن تغدق .. ومن السماء نزلت أم فجرت من عليا الجنان جداولاً تترقرق ” .. ووقف التيجاني يوسف بشير “في محراب النيل” متبتلاً “…حضنتك الأملاك فى جنة الخلد .. ورفت على وضئ عبابك …وامدت عليك أجنحة خضراً وأضفت ثيابها في رحابك …فتحدرت فى الزمان وأفرغت على الشرق جنة من رضابك ..”….
أما الفيتوري فإن أنهار أفريقيا تجري في داخله توقاً للحرية .. يقول:
” … في عظامي تمخر أمواج وسحب وأنهار “.. ولعل في ذلك مايشبه إشارة المؤرخين للمسيسبي، وهو اسم مشتق من لغة للهنود الحمر الأصليين ،
بأنه رمز للتحرر حيث هرب عبره السكان المستعبدون بحثاً عن الحرية، وقد وصفه الكاتب الأمريكي مارك توين بأنه النهر العنيد الذى لايمكن ترويضه .. أما بابلونيرودا فقد افتتن بدوره بنهر الأمازون فانشد: “..يا مركز المقاطع المائية.. يا أبانا البطريركي ..أنت الأبدية السرية لكل بذور الحياة.. تتدفق الأنهار نحوك كالطيور .. تزاوجك مدقات الزهور بلون النار..جذوع الأشجار الميتة تمنحك عطرها..ولايستطيع القمر أن يحرسك أو يقيس اتساعك..”..
وقال المستكشفون إنه “رئة الكوكب “.. وتتولى إدارة النظام البيئي لحوض الأمازون بغاباته المطيرة البرازيل وفنزويلا وبيرو والاكوادور وغيانا وكولومبيا وبوليفيا و سورينام و”غيانا الفرنسية ”.
وقد غنت أوروبا على ليلاها أيضاً ، فقيل إن نهر السين هو المكان الذى تلتقي فيه همسات المحبين، بينما يعكس نهر الراين تاريخاً من الأساطير والحكايات الشعبية ويشكل الدانوب، أطول أنهار أوروبا، وبتدفقه الصامت، شكلاً موحداً للقارة الأوروبية…
وتعكس العديد من الأنهار الآسيوية أساس حضاراتها و حياتها الاقتصادية والتطورات السياسية للعديد من بلدانها ،
كدجلة والفرات وحضارة الرافدين فى غرب آسيا واليانغستي والنهر الأصفر في الصين والقانج والسند فى الهند والميكونق الذي يتدفق عبر الصين وماينمار وتايلاند ولاوس وكمبوديا وفيتنام…
ليس هنالك من رسالة تحض على التعاون بين الأمم أكثر من جريان الأنهار المشتركة عابرة الحدود فيها ، وربما أدرك المتنبئ منذ وقت مبكر أن السباحة تكون كثيراً عكس التيار على عكس مايؤمل و أنه كلما أنبت الزمان قناة ركبت خلافات السياسة والمصالح في القناة سناناً ، و قد أبرز صعود موضوعات دبلوماسية المياة والأمن المائي لصدارة الإجندة الدولية الأهمية المتزايدة لهذه القضايا التي ضاعف من الاهتمام بها التغيرات المناخية والزيادات السكانية بل وسعى بعض الدول لدخول باب التاريخ من جديد عن طريق الخروج من باب الجغرافيا عبر محاولات بعض الدول الحبيسة الحصول عنوة على منافذ بحرية، ولا أدري إن كان ذلك سوف يلغي أم يعزز حكمة الفيلسوف اليوناني هيراقليطس بأنه لايمكنك عبور النهر مرتين، أم أنه يزيد من جمال عيون نساء المدن الساحلية التي افتتن بها الشعراء….
(2)
على الرغم من أن مسألة “مضيق هرمز ” قد قفزت إلى الصدارة وانشغل العالم بتطوراتها إلا أن الخلاف المائي بين باكستان والهند تسلل مرة أخرى إلى دائرة الاهتمام عقب تأكيدات الهند بأن تعليق العمل بمعاهدة تقسيم مياة نهر السند مع باكستان سوف يستمر ، وهو ما أدى لانزعاج إسلام أباد التي نظمت سمناراً دولياً أواخر يونيو المنصرم رغم انشغالها بمفاوضات إيران والولايات المتحدة بعنوان “معاهدة مياة السند معول أساسي لسلام واستقرار الإقليم”، وهي الاتفاقية التي تم التوصل إليها عام 1960 بين البلدين بمعاونة البنك الدولى لتنظيم استخدام المياة المتدفقة من أنهار تنبع في الهند وتصب في باكستان ضمن حوض نهر السند فيستفيد منها الملايين في باكستان بما في ذلك إقليم البنجاب سلة الغذاء فيها، وكانت الهند قد علقت العمل بالاتفاقية في أعقاب حادثة هجوم بالشطر الهندي في كشمير أودى بحياة 26 من السياح إلى جانب إجراءات عقابية أخرى، وفي السمنار المذكور قالت باكستان إن الإجراء الهندي انتهاك للقانون الدولي وتهديد لأمن واستقرار المنطقة، وأفتوا بعدم قانونيته إذ لاتوجد آلية للانسحاب الآحادي في المعاهدة، وقد اقترحوا إنشاء ميثاق عالمي ضد عسكرة الأنهار و المجاري المائية ليشمل أيضا كما أشاروا مضيق هرمز وقناة السويس وقناة بنما ونهر النيل ودجلة والفرات ..
أما مضيق هرمز فإنه وطبقاً لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار يعد كممر مائي دولي يخضع لنظام “المرور العابر”.. ويرى المراقبون أن إيران نجحت في تحقيق مكاسب هامة تشمل جعله ورقة مساومة سياسية وتثبيت عدم إمكان تجاوزها في مسائل أمن المنطقة وقواعد المرور ، وأبرزت التجربة إمكانات طهران في التأثير على المرور الآمن وأن ودورها المستقبلي لايزال مطروحاُ…
منذ زمان غابر عرف العالم فكرة الأنهار الدولية، وبين أعوام 1820-2007 جرى توقيع 450 اتفاقية شملت 145 دولة فى العالم منها 150 معاهدة خلال الخمسين عاماً الأخيرة وقد قدر عدد الأنهار الرئيسية بين 165 إلى 170 نهراً تصنف 14 منها كأنهار عظمى يتصدرها النيل بطول 6650 كيلومتر والامازون 6400 واليانغستى 6300 كيلومتر ، وتشكل اتفاقية الأمم المتحدة للمجارى المائية الدولية لعام 1997
أهم الإطارات القانونية للأغراض غير الملاحية كالشرب والري والصناعة والإطار القانوني الدولي العام لإدارة الأنهار العابرة للحدود وتقاسم المياة العادلة بين دول المنبع والمصب، وترتكز على مبادئ الاستخدام المنصف والمعقول والالتزام بعدم إحداث ضرر ذي شأن والالتزام كذلك بالتبادل المنتظم للبيانات والمعلومات بين دول الحوض، علاوة على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، التي توفر
الإطار القانوني المتكامل لاستخدام مياة البحار والمحيطات وضمان حقوقها في الملاحة وحماية الموارد وتكنى بدستور المحيطات، وتحدد حقوق الدول في المياة الاقليمية والاقتصادية…
إن دبلوماسية الأنهار والمجاري المائية والأمن المائي يتوقع أن تتضاعف أهميتها لا لملء فراغات في الأنظمة القانونية السائدة فحسب بل لافتقار غالبية الأحواض لترتيبات فعالة فيما يزداد الطلب على استخدامات المياة المختلفة… ونأمل أن تهتم جامعاتنا ومراكزنا البحثية بقضايا المياة وأن تدعم تلك الدراسات والأبحاث وفود التفاوض وخاصة مفاوضات سد النهضة وحسم التباينات التي ظلت تعكسها الجولات المختلفة بما يعزز مصالح السودان ومواقفه الداعية لأن يكون النهر أداة للتعاون وليس ساحة للصراع…. امنحوا النيل أجمل مالديكم.