مرافعات الى رئيسة الإتحاد الاوربي

رفعت 6 منظمات حقوقية (راجع الملحق ص 18): العفو الدولية (AI)، مراقبة حقوق الإنسان (HRW)، التضامن المسيحي العالمي (CSW)، مدافعي الصفوف الأمامية (FLD)، الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان (FIDH)، وصحافة حرة بلا حدود (FPU) في الأسبوع لأول من أبريل 2026 رسالة موحدة موجهة إلى وزيرة الدفاع الألمانية خلال الفترة 2013-2019، والمعروفة بمواقفها الداعمة لحلف الناتو السيدة أورسولا فون دير لاين (Ursula von der Leyen) الرئيسة منذ ديسمبر 2019 للمفوضية الأوروبية (The European Commission) تضمنت مطالب للاتحاد الأوروبي ودولته الأعضاء باتخاذ موقف أكثر حزماً وفاعلية إزاء الحرب في السودان في ذكراها الثالثة، عبر إعطاء أولوية عاجلة لحماية المدنيين، ومضاعفة المساعدات الإنسانية، ومحاكمة المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة التي ارتكبتها أطراف النزاع (الجيش، مليشيا الدعم السريع)، ولا سيما ما يتعلق بالقتل الجماعي، والحصار، والعنف الجنسي، واستهداف النشطاء والصحفيين والعاملين في المجالين الإنساني والطبي. وتلفت الرسالة إلى أن الفاشر شهدت فظائع واسعة، كما تحذر من انتقال مركز الخطر إلى كردفان والنيل الأزرق مع احتمال تكرار أنماط الانتهاكات نفسها. كما تدعو الرسالة إلى استثمار مؤتمر برلين في 15 أبريل 2026 لتعزيز حماية المدنيين، وتوسيع حظر السلاح، ودعم آليات العدالة الدولية، مع ضمان إشراك القوى المدنية السودانية والمدافعين عن حقوق الإنسان في أي مسار سياسي أو إنساني يتعلق بمستقبل السودان.
وتستند الرسالة إلى تقارير دولية وأفريقية حديثة خلصت إلى وقوع انتهاكات خطيرة وواسعة النطاق، وتعتبر أن استجابة الاتحاد الأوروبي ما زالت دون مستوى خطورة الأزمة. وبناء على ذلك، تدعو المنظمات الموقعة الاتحاد الأوروبي إلى الانتقال من بيانات الإدانة إلى خطوات عملية تشمل: تعزيز حماية المدنيين، دعم المساءلة، زيادة التمويل الإنساني، وضع أوضاع النساء والفتيات والعنف الجنسي في قلب أي تحرك دولي، والضغط لتوسيع حظر السلاح ليشمل كامل السودان، مع محاسبة الجهات التي تخرقه.
كما تؤكد الرسالة أهمية دعم آليات العدالة الدولية، بما في ذلك بعثة تقصي الحقائق والمحكمة الجنائية الدولية، وتفعيل الولاية القضائية العالمية داخل أوروبا، إلى جانب حماية المدنيين الفارين من السودان، وفتح مسارات آمنة لهم، وضمان عدم إعادتهم إلى مناطق الخطر. وتختتم الرسالة بالتشديد على أن أي جهود دولية جادة للتعامل مع الأزمة السودانية يجب أن تشمل مشاورات حقيقية مع المجتمع المدني السوداني والمدافعين عن حقوق الإنسان والصحفيين، وأن تجعل حماية المدنيين والعدالة والمساءلة في صلب أي تحرك سياسي قادم.
ما هي تداعيات هذه الرسالة؟
الجزء التالي هو قراءة نقدية وتحليلية للخطاب الحقوقي المشترك الموجه إلى رئيسة الاتحاد الأوروبي بشأن السودان، وتقدير انعكاساته على موقف الاتحاد الأوروبي واجتماع برلين المقرر عقده في منتصف شهر أبريل 2026، وكيفية الإفادة منه في التعامل السياسي والدبلوماسي مع إدارات رئاسة الاتحاد الأوروبي في بروكسل.
لذلك تهدف هذه المساهمة إلى تقديم قراءة نقدية لا بوصفها مجرد نص حقوقي احتجاجي، بل بوصفها أداة ضغط سياسية ومعيارية يمكن أن تؤثر في طريقة تموضع الاتحاد الأوروبي قبل اجتماع برلين في 15 أبريل 2026 والتأثير على موقفه فيما بعد. كما ترمي المذكرة إلى بيان كيفية تحويل هذا الخطاب من وثيقة مناشدة وتأثير (لوبي) إلى أداة عملية في مخاطبة مؤسسات الاتحاد الأوروبي ومساءلتها بلغتها ووثائقها المعلنة.
العريضة، من دون شك، قوية من حيث بناؤها المنطقي، لأنها لا تطالب الاتحاد الأوروبي بمبادئ جديدة، بل تطالبه فقط بتنفيذ التزاماته التي سبق أن أعلنها في خلاصات مجلس الشؤون الخارجية الأوروبي في 20 أكتوبر 2025، وفي مواقف لاحقة للمؤسسات الأوروبية بشأن حماية المدنيين، والمساءلة، والوصول الإنساني، وسيادة القانون. وهو لذلك خطاب ذكي في منطقه، إذ يحاول نقل بروكسل من دائرة الإدانة اللفظية إلى دائرة الالتزام التنفيذي. كما أنه يسعى إلى إعادة تعريف اجتماع برلين نفسه من منصة دبلوماسية عامة إلى اختبار سياسي يقاس بمدى ما يقدمه لحماية المدنيين، والعدالة، وتقييد تدفقات السلاح، وإشراك المدنيين السودانيين الحقيقيين في أي مسار لاحق.
غير أن قوة الخطاب الأخلاقية لا تلغي حدوده السياسية. فهو يتكئ على المعجم الحقوقي الأوروبي بقوة، لكنه لا يحل بالكامل معضلة الشرعية والسيادة والتمثيل، وهي المعضلة التي انفجرت قبيل مؤتمر برلين مع اعتراض الخرطوم الرسمي على استبعاد الحكومة السودانية من ترتيبات المؤتمرات السابقة وتكرار ذلك في الحالي. ومن هنا فإن الإفادة الحقيقية من الخطاب لا تكون بترديده كما هو، بل بإعادة توظيفه ضمن مذكرة سودانية مقابلة أكثر توازناً، تجمع بين حماية المدنيين والمساءلة من جهة، وصيانة مبدأ سيادة الدولة الوطنية ورفض أي صيغة تعويم للسلطات الموازية أو الوصاية الخارجية من جهة أخرى.
أولاً: طبيعة الخطاب والمشهد الأوروبي
الخطاب الموجه إلى رئيسة المفوضية الأوروبية في 7 أبريل 2026 صيغ بوضوح ليكون أكثر من مجرد مناشدة أخلاقية. فهو يستند إلى توصيف حادّ للحرب بوصفها حرباً على المدنيين، ويعدد أنماط الانتهاكات، من القتل الجماعي والحصار والتجويع والعنف الجنسي إلى استهداف النشطاء والصحفيين والعاملين في المجالين الإنساني والطبي، ثم يربط هذه الوقائع بسلسلة مطالب محددة موجهة إلى الاتحاد الأوروبي: حماية المدنيين، تفعيل المساءلة، زيادة التمويل الإنساني، توسيع حظر السلاح، دعم المحكمة الجنائية الدولية، وحماية المدافعين عن حقوق الإنسان واللاجئين السودانيين. بذلك يتحول النص من احتجاج إلى برنامج ضغط.
وتزداد أهمية هذا الخطاب لأنه لا يهبط على مؤسسات أوروبا من خارج منطقها المعياري، بل يدخل من الباب الذي فتحته هي بنفسها. فمجلس الشؤون الخارجية الأوروبي أقر في 20 أكتوبر 2025 خلاصات رسمية بشأن السودان أكدت ضرورة حماية المدنيين، وضمان الوصول الإنساني السريع وغير المقيّد، ودعم الحكم المدني المستقل، واستعادة سيادة القانون والمساءلة والعدالة. كما أن الاتحاد الأوروبي عاد في فبراير 2026، سواء في مجلس الأمن أو مجلس حقوق الإنسان، إلى وصف الوضع الإنساني والحقوقي في السودان بأنه بالغ الخطورة، وإلى تحميل القوات المسلحة والدعم السريع وحلفائهما مسؤولية الانتهاكات وضرورة وقفها فوراً. وبالتالي فإن الخطاب لا يطلب من بروكسل أن تبدّل لغتها، بل أن تنفّذها. وهذه هي نقطة القوة المركزية فيه.
ثانياً: قيمة الرسالة وتأثيرها
في تقديري، تكمن القيمة السياسية للخطاب في 3 مسائل مترابطة. أولها أنه يعيد ترتيب الأولويات الأوروبية. فهو يرفض اختزال السودان في ملف إغاثي صرف، ويعيد الأزمة إلى أصلها: حماية المدنيين، ومنع الفظائع الجماعية، والمساءلة عن الجرائم، وكبح العوامل الخارجية التي تغذي الحرب. وثانيها أنه يستثمر اللحظة التي أحدثها تقرير بعثة تقصي الحقائق الأممية بشأن الفاشر، الذي قال إن ما وقع يحمل “سمات الإبادة الجماعية”، وهي صياغة بالغة الثقل فتحت الباب أمام انتقال جزء من الخطاب الدولي من مجرد توصيف “أزمة إنسانية” إلى توصيف “خطر فظائع جماعية” يستوجب أدوات أقوى. وثالثها أنه يضغط على مؤتمر برلين كي يكون أكثر من مناسبة دبلوماسية لتجديد التعاطف.
لكن لهذا الخطاب حدوداً واضحة. فهو ينجح في دفع أوروبا أخلاقياً، لكنه لا يستطيع وحده تجاوز انقسام البنية الأوروبية بين منطقين: منطق حقوقي يريد مزيداً من العقوبات والمساءلة والضغط على الرعاة الخارجيين، ومنطق جيوسياسي أكثر حذراً يريد إبقاء أبواب التنسيق مفتوحة مع الترتيبات الإقليمية والدولية القائمة. ويظهر هذا التوتر بوضوح في قرار البرلمان الأوروبي الصادر في 27 نوفمبر 2025، والذي جمع بين لغة متقدمة في الحديث عن العقوبات، وتوسيع اختصاص المحكمة الجنائية الدولية، والولاية القضائية العالمية، بل والنظر في تصنيف مليشيا الدعم السريع، وبين تأكيد صريح على سيادة السودان ووحدته الترابية ورفض إنشاء سلطات أو هياكل موازية. وهذا يعني أن الاتحاد الأوروبي ليس كتلة متجانسة، وأن أي خطاب يريد التأثير فيه ينبغي أن يحسن مخاطبة هذا التعدد الداخلي.
ثالثاً: انعكاسات على موقف الاتحاد الأوروبي
الأثر الأرجح للخطاب على موقف الاتحاد الأوروبي ليس أنه سيخلق اتجاهاً جديداً من العدم، بل أنه سيقوّي اتجاهاً قائماً بالفعل. فمنذ أواخر 2025 دخلت أوروبا مرحلة أوضح في التعامل مع السودان: خلاصات سياسية أشد صراحة، ثم بيانات تربط الحماية بالمساءلة، ثم عقوبات إضافية. ففي 20 نوفمبر 2025 شدد الاتحاد الأوروبي على أن المساءلة تقع في قلب خلاصاته بشأن السودان، ثم في 29 يناير 2026 فرض المجلس عقوبات على 7 أفراد إضافيين بسبب استمرار الانتهاكات والتصعيد العنيف في دارفور وسائر البلاد. معنى ذلك أن الخطاب يأتي ليمنح هذا المسار دفعة إضافية، لا ليبدأه.
غير أن أوروبا، على الرغم من هذا التقدم، ما تزال أقدر على التمويل من الردع. فقد تعهد الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء في مؤتمر لندن في أبريل 2025 بأكثر من 522 مليون يورو للاستجابة للأزمة السودانية، لكن ذلك لم يمنع الانزلاق لاحقاً إلى فظائع الفاشر وما بعدها. وهذه الحقيقة يجب أن تظل حاضرة عند قراءة الخطاب: هو يحاول أن يدفع بروكسل من خانة “المانح الكبير” إلى خانة “الفاعل السياسي الذي يربط التمويل بالحماية والمحاسبة والضغط على ميسّري الحرب”. فإذا لم يحدث هذا التحول، فإن الموقف الأوروبي سيقى أخلاقياً في خطابه، محدوداً في أثره.
رابعاً: انعكاسات على اجتماع برلين
المؤشرات المتاحة حتى الآن تفيد بأن مؤتمر برلين ليس مؤقراً للحسم السياسي المباشر، بل منصة لحشد الاهتمام والضغط وإبقاء السودان على جدول الأعمال الدولي. هذا ما تؤكده القراءة الصادرة من عدد من المحللين، والتي ترى أن المؤتمر يوفر فرصة لتطوير مقاربة تتمحور حول المدنيين، لكنه ليس مؤقراً للسلام، وأن سقف التوقعات يجب أن يبقى منخفضاً. كما أن بيان الاتحاد الأوروبي في مجلس الأمن في 19 فبراير 2026 وصف مؤتمر برلين بأنه “خطوة تمهيدية” و”مناسبة أخرى” لكي يوحّد المجتمع الدولي جهوده ويجذب الانتباه إلى السودان. وهذه الصياغة تكشف بوضوح أن المؤتمر أقرب إلى منصة تنسيق وضغط منه إلى منصة اتفاق ملزم.
هنا بالضبط يتدخل الخطاب ليعيد تعريف معيار النجاح. فهو يقول ضمنياً: النجاح لا يكون في صدور بيان حسن الصياغة، بل في أن يخرج اجتماع برلين بشيء قابل للقياس في 4 دوائر: حماية المدنيين، دعم العدالة والمساءلة، تمويل إنساني فعّال، وإشراك مدني سوداني حقيقي لا تجميلي. وإذا أخذنا في الاعتبار اعتراض السودان الرسمي على المؤتمر بسبب استبعاد السودان من الترتيبات، فإن اجتماع برلين يواجه مشكلة شرعية سياسية لا ينبغي الاستهانة بها. فالاعتراض السوداني يطعن في المؤتمر من زاوية السيادة والتمثيل، لا من زاوية النوايا الإنسانية فقط، وهو ما قد يضعف مخرجاته أو يجعلها محدودة الأثر حتى لو كانت سليمة أخلاقياً.
خامساً: الخطاب والتعامل مع الاتحاد الأوروبي
القاعدة الأولى هي ألا يستخدم الخطاب بوصفه وثيقة شكوى ضد أوروبا، بل بوصفه أداة مساءلة مبنية على التزامات أوروبية قائمة. وهذه نقطة في غاية الأهمية. لأن مخاطبة الاتحاد الأوروبي من خارج لغته تتيح له أن ينظر إلى الخطاب بوصفه مطلباً سياسياً من طرف خارجي. أما مخاطبته من داخل خلاصاته وقرارات مؤسساته وبياناته الرسمية فتضعه أمام سؤال أكثر إزعاجاً: لماذا لم تنفذوا ما أعلنتموه بأنفسكم؟ ومن هنا يمكن تحويل الخطاب إلى أداة مطابقة بين “القول الأوروبي” و”الفعل الأوروبي.”
القاعدة الثانية هي استثمار التعدد داخل مؤسسات أوروبا. فالبرلمان الأوروبي تقدّم في بعض النقاط أبعد من المجلس والمفوضية، سواء في الحديث عن العقوبات أو عن توسيع اختصاص المحكمة الجنائية الدولية أو عن الولاية القضائية العالمية. وهذا يفتح باباً عملياً: يمكن توظيف الخطاب لحث المجلس والمفوضية والوفود الوطنية على الاقتراب من السقف الذي رسمه البرلمان، لا بوصفه سقفاً معادياً للسودان، بل بوصفه سقفاً أوروبياً معتمداً بالفعل داخل المؤسسة الأوروبية نفسها. وهذا يصبح الخطاب جسراً بين المؤسسات الأوروبية، لا مجرد رسالة إليها.
القاعدة الثالثة هي وجوب تصحيح موضع الخطاب في مسألة السيادة. فمن الخطأ سياسياً ترك الخطاب يُفهم على أنه يضع حماية المدنيين في مقابل سيادة الدولة الوطنية، أو أنه يساوي بين الدولة والميليشيا. الأنفع هو أن يُستعمل الخطاب لبناء رسالة سودانية مضادة تقول بوضوح: نعم لحماية المدنيين، نعم للمساءلة، نعم لمحاسبة كل من يخرق القانون الدولي، لكن لا لتقويض مبدأ الدولة، ولا لتعويم السلطات الموازية، ولا لصياغة حلول فوق رأس السودان. هذا التعديل ليس تجميلياً، بل هو الشرط الذي يجعل الإفادة من الخطاب ممكنة من دون الوقوع في فخ الوصاية.
القاعدة الرابعة هي أن الخطاب يصلح قبل اجتماع برلين وبعده. قبل برلين يمكن استخدامه للضغط على جدول الأعمال كي يتضمن لغة واضحة حول حماية المدنيين والعنف الجنسي والمساءلة وتدفقات السلاح وإشراك المدنيين السودانيين. وبعد برلين يمكن تحويله إلى أداة متابعة: ماذا فعل الاتحاد في العقوبات؟ ماذا فعل في حماية المدنيين؟ ماذا فعل في توسيع دعم المساءلة؟ ماذا فعل في وقف إفلات الرعاة الخارجيين من المحاسبة؟ بهذه الطريقة لا يتحول الخطاب إلى حدث عابر مرتبط بموعد 15 أبريل، بل إلى أداة تراكم ومساءلة سياسية.
سادساً: تقدير المخاطر والمحاذير
أكبر خطر في سوء استخدام الخطاب هو أن يُستثمر فقط بوصفه نصاً حقوقياً غريباً، فيُترك المجال لخصومه لكي يصوروه باعتباره أداة خارجية لتجاوز الدولة السودانية أو لتعويم خصومها المسلحين. والخطر الثاني أن يُستخدم لتخذية انطباع خاطئ بأن برلين قادر وحده على إنتاج حل سياسي، بينما المؤشرات المتاحة لا تدعم هذا التوقع. والخطر الثالث أن يطغى البعد الإنساني والتمويلي على البعد السياسي، فيعاد إنتاج تجربة المؤتمرات السابقة: تعاطف كبير، تمويل معتبر، أثر محدود على بنية الحرب.
سابعاً: توصية عملية عاجلة
الأنسب هو إعداد مذكرة سودانية مقابلة تُبنى على هذا الخطاب ولكن لا تذوب فيه. مذكرة تقول للأوروبيين إن السودان يرحب بأي جهد جاد لحماية المدنيين، ومحاسبة مرتقبي الجرائم، وزيادة المساعدات، لكنه يرفض أن تتحول المؤتمرات الدولية إلى صيغ تُضعف السيادة والشرعية الوطنية أو تساوي بين الدولة والميليشيا أو تتجاوز الحكومة السودانية في تقرير ما يتصل بمستقبل البلاد. وينبغي أن تُبنى هذه المذكرة على محاور متلازمة:
حماية المدنيين بوصفها واجباً عاجلاً، والمساءلة وجبر الضرر بوصفها شرطاً لردع الجريمة والانتهاكات لا مجرد ترف قانوني، وحماية هوية البلاد، وصيانة سيادة ومصالح الدولة السودانية العليا والمحافظة على مرتكزات استراتيجية أمنه الوطني بوصفها الإطار الوحيد الذي يمنع انزلاق البلاد إلى شرعيات موازية وفوضى مستدامة.
هذا الخطاب مهم لأنه التقط لحظة أوروبية رخوة لكنها قابلة للدفع في أتجاه مصلحة السودان. أوروبا باتت تمتلك لغة أكثر وضوحاً بشأن السودان، وعقوبات أوسع، وخطاباً أشد صراحة عن الفظائع والمحاسبة، لكنها لم تحسم بعد هل تريد أن تكون ممولاً كبيراً فقط أم فاعلاً سياسياً يربط التمويل بالحماية وجبر الضرر ووقف تدفقات السلاح ومحاسبة من يغذون الحرب والدمار. والخطاب يحاول أن يدفعها نحو الخيار الثاني. أما الإفادة السودانية الذكية منه، فلا تكون بالتماهي معه ولا برفضه جملة واحدة، بل بإعادة صياغته داخل مذكرة سودانية أرفع سياسياً: تحاور أوروبا بلغتها ومنطقها، لكنها لا تتنازل عن سيادة الدولة ومصالحها؛ تستفيد من خطاب الحماية، لكنها لا تسمح بتحويله إلى وصاية؛ وتستخدم في حملتها الإعلامية مخرجات مؤتمر برلين لا كموعد خلاص، بل كساحة اختبار عملي للموقف الأوروبي نفسه.
مسودة مقترحة لإرسالها إلى الاتحاد الأوروبي
أقترح أن تُوجَّه هذه المسودة إلى السيدة كايا كالاس (رئيسة وزراء أستونيا 2021-2024) بصفتها الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية ونائبة رئيس المفوضية الأوروبية، لأنها الجهة الأوروبية الأكثر اتصالاً بالشقين معاً: صياغة الموقف السياسي الأوروبي، ومتابعة ترجمته داخل مجلس الشؤون الخارجية والفضاء الدبلوماسي الأوروبي. كما أن موقف الاتحاد بشأن السودان صار مؤطراً رسمياً بخلاصات مجلس 20 أكتوبر 2025 وببيانات لاحقة شددت على حماية المدنيين والمساءلة.
إلى السيدة / كايا كالاس Ms Kaja Kallas
الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية
High Representative of the European Union for Foreign Affairs and Security Policy
ونائبة رئيس المفوضية الأوروبية
and Vice-President of the European Commission
تحية طيبة وبعد،
الموضوع: السودان بين واجب حماية المدنيين ومقتضى احترام سيادة الدولة الوطنية
أكتب إليكم في لحظة بالغة الخطورة من تاريخ السودان، فيما تدخل الحرب عامها الثالث وقد تمددت كلفتها الإنسانية والأمنية والسياسية إلى حدٍّ لم يعد يسمح بالاكتفاء ببيانات القلق أو صيغ الإدانة المعتادة. ذلك أن ما يجري في السودان لم يعد مجرد نزاع داخلي مسلح يمكن احتواؤه بمرور الوقت، بل أصبح حرباً مفتوحة على المدنيين، وعلى بنية المجتمع، وعلى ما تبقى من مقومات الدولة الوطنية نفسها.
لقد تابعنا باهتمام بالغ المواقف الصادرة عن الاتحاد الأوروبي، ولا سيما خلاصات مجلس الشؤون الخارجية في 20 أكتوبر 2025، وما تلاها من بيانات وإجراءات أكدت أهمية حماية المدنيين، وضمان الوصول الإنساني، وتعزيز المساءلة، واحترام القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان. وهذه مواقف مهمة، لا لأن السودان يحتاج إلى تضامن لفظي إضافي، بل لأن الاتحاد الأوروبي يملك من الثقل السياسي والمعياري ما يؤهله للانتقال من مقام الإعلان إلى مقام الفعل.
ومن هذا المنطلق، فإن الرسائل والنداءات الحقوقية الأخيرة الموجهة إلى مؤسسات الاتحاد الأوروبي تكتسب أهميتها بقدر ما تذكّر أوروبا بالتزاماتها المعلنة، وتدفعها إلى مواءمة خطابها مع أدواتها. غير أن هذه اللحظة تتطلب، في تقديرنا، مقاربة أكثر توازناً وعمقاً: مقاربة تحمي المدنيين حقاً، وتحاسب مرتقبي الانتهاكات حقاً، ولكن من دون أن تفضي، عن قصد أو عن غير قصد، إلى إضعاف مبدأ الدولة الوطنية السودانية أو التساهل مع أي صيغ تساوي بين الدولة والميليشيا، أو تمنح الهياكل الموازية شرعية سياسية لا تستحقها.
إن حماية المدنيين في السودان ليست نقيضاً للسيادة الوطنية، بل هي الشرط الأخلاقي والسياسي لصونها. والمساءلة عن الجرائم ليست مدخلاً لتجاوز الدولة، بل ضرورة لردع من يعملون على تفكيكها من الداخل والخارج. لكن هذا التلازم لا يتحقق تلقائياً، بل يحتاج إلى وضوح في الرؤية الأوروبية، وإلى حرص شديد على ألا تتحول المبادرات الدولية، مهما حسنت نواياها، إلى منصات تُنتج شرعيات ملتبسة، أو تُضعف موقع المؤسسات الوطنية، أو تعيد تعريف الأزمة السودانية من خارج سياقها الحقيقي.
وفي هذا الإطار، يكتسب الاجتماع الدولي المزمع عقده في برلين أهمية خاصة. فنجاح أي جهد أوروبي أو دولي بشأن السودان لا ينبغي أن يُقاس ببلاغة البيان الختامي، ولا بحجم التغطية الإعلامية، ولا حتى فقط بمقدار التعهدات المالية، وإنما يُقاس بأربعة معايير واضحة:
☑ أولها، هل أُعطيت حماية المدنيين أولوية عملية قابلة للمتابعة؟
☑ ثانيها، هل تم تعزيز آليات المساءلة والعدالة بصورة جديدة؟
☑ ثالثها، هل جرى التعامل مع مسألة تدفقات السلاح والرعاية الخارجية للحرب بما تستحقه من صراحة ومسؤولية؟
☑ رابعها، هل تم إشراك السودانيين المدنيين الحقيقيين من أصحاب المصلحة الوطنية، من دون تحويل ذلك إلى آلية لتجاوز مبدأ الدولة أو الالتفاف على مقتضيات الشرعية؟
ومن هنا، فإننا نأمل أن تبادر مؤسسات الاتحاد الأوروبي، بقيادتكم، إلى ترجمة التزاماتها المعلنة إلى خطوات أوضح في عدة اتجاهات متلازمة:
☑ أولاً، دعم حماية المدنيين بوصفها أولوية عاجلة لا تقبل التأجيل، بما يشمل الضغط لوقف الهجمات على المدنيين والبنية التحتية المدنية، وتعزيز الوصول الإنساني السريع والآمن وغير المقيد.
☑ ثانياً، تقوية مسار المساءلة من خلال دعم آليات التحقيق الدولية، وتوسيع الجهد الأوروبي في ملاحقة مرتقبي الجرائم والانتهاكات الجسيمة، وعدم الاكتفاء بلغة الإدانة العامة.
☑ ثالثاً، التعامل بقدر أكبر من الصرامة مع شبكات الدعم والتمويل والتسليح التي أسهمت في إطالة أمد الحرب وتعميق آثارها الكارثية على المجتمع السوداني.
☑ رابعاً، ضمان أن أي دعم أوروبي للمجتمع المدني السوداني يظل منضبطاً بهدفه النبيل: حماية المجتمع ورفع صوته، لا إنتاج بدائل سياسية أو مؤسسية تُربك مسألة الشرعية أو تفتح الباب أمام مزيد من التنازع على التمثيل.
☑ خامساً، تأكيد مبدئي وعملي أن الاتحاد الأوروبي، وهو يدافع عن حقوق المدنيين السودانيين، لا يتبنى أي مقاربة من شأنها إضعاف وحدة السودان أو تقويض مؤسسات الدولة الوطنية أو التساهل مع مشاريع الأمر الواقع المسلحة. وقد كان البرلمان الأوروبي نفسه واضحاً في التشديد على سيادة السودان ووحدته الترابية ورفض السلطات الموازية؛ وهذه نقطة ينبغي أن تبقى حاضرة في أي تحرك مقبل.
إن السودان اليوم لا يحتاج فقط إلى تعاطف العالم، بل إلى قدر من الانسجام بين المبدأ والسياسة. ولا يحتاج فقط إلى مزيد من التمويل الإنساني، رغم ضرورته القصوى، بل إلى إرادة دولية تمنع أن تتحول الإغاثة إلى بديل عن الحلول الجادة، أو إلى ستار لإدارة الكارثة بدلاً من العمل على كبح أسبابها. ولقد أظهرت التجربة أن المال وحده، من دون ضغط سياسي ومساءلة حقيقية، لا يكفي لوقف الانحدار.
إن رسالتنا إليكم ليست طلباً لإعادة إنتاج الخطاب الأوروبي نفسه، بل دعوة إلى الوفاء به. وهي ليست اعتراضاً على حماية المدنيين أو إشراك القوى المدنية، بل تنبيه إلى أن حماية المدنيين يجب ألا تأتي على حساب الدولة، وأن دعم المجتمع المدني يجب ألا يتحول إلى مسار بديل عن الأساس الوطني الجامع. ذلك أن أخطر ما يمكن أن يقع فيه أي جهد خارجي بشأن السودان هو أن يظن أنه ينقذ المجتمع بينما يضعف الدولة، أو أنه يعالج الجريمة بينما يطيل عمر المحفلة السياسية التي سمحت بها.
وعليه، فإننا نرجو منكم أن يُستخدم اجتماع برلين، وما بعده، كفرصة لإرساء مقاربة أوروبية أكثر اتساقاً: مقاربة تربط بين حماية المدنيين، والمساءلة، والضغط على ميسّري الحرب، ودعم وحدة السودان ومؤسساته الوطنية، لا أن تكتفي بمراكمة النصوص الحسنة النية.
وتفضلوا بقبول فائق الاحترام والتقدير.
وزارة الخارجية السودانية
ملحق
في هذا المذكرة أقدم تعريف موجز بالمنظمات الدولية الست التي وقّعت الخطاب المشترك الموجّه إلى مؤسسات الاتحاد الأوروبي بشأن السودان، مع تثبيت الموقع الإلكتروني الرسمي لكل منظمة، وبيان طبيعة وزنها المؤسسي وأثرها التقديري في فضاء المناصرة الحقوقية واتجاهات الرأي العام والسياسات الأوروبية.
ويكتسب الخطاب وزنه من طبيعة الجهات الموقعة عليه، لا من مضمونه وحده، لأن هذه الجهات تمثل مزيجاً من النفوذ الحقوقي العام، والاختصاص النوعي، والحضور التشبيكي في فضاء المجتمع المدني، والقدرة على التأثير في دوائر الرأي وصناعة القرار الأوروبية.
يفيد التقدير الإداري العام بأن الثقل المؤسسي للخطاب ناتج عن اجتماع 3 مستويات من التأثير. المستوى الأول هو التأثير الإعلامي والمعنوي الواسع الذي تمثله العفو الدولية ومراقبة حقوق الإنسان.
والمستوى الثاني هو التأثير التشبيكي والمؤسسي الذي تضيفه الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان. أما المستوى الثالث فهو التأثير التخصصي العملي الذي تضيفه التضامن المسيحي وصحافة حرة بلا حدود ومنظمة مدافعي الصفوف الأمامية في مجالات حرية الدين أو المعتقد، وحرية الصحافة، وحماية المدافعين. ولذلك فإن صدور الخطاب بصورة مشتركة عن هذه الجهات يمنحه وزناً معتبراً في المتابعة الأوروبية، ويجعله أقرب إلى مبادرة ضغط مؤسسي من كونه بياناً احتجاجياً عادياً.
يوصى، عند التعامل مع هذا الخطاب أو الإشارة إليه في مراسلات أو مذكرات لاحقة، بأخذ طبيعة الجهات الموقعة عليه في الاعتبار بوصفها جهات ذات أثر متفاوت لكنه معتبر ولا يمكن تجاهله في تشكيل النقاش الحقوقي والإعلامي والسياسي داخل الفضاء الأوروبي المرتبط بالسودان. كما يوصى بالإفادة من هذا التنوع المؤسسي في فهم أن الخطاب يجمع بين الشرعية الحقوقية العامة، والاختصاص النوعي، والقدرة على النفاذ إلى دوائر التأثير الأوروبية والدولية.
منظمة العفو الدولية (Amnesty International)
www.amnesty.org
منظمة حقوقية عالمية واسعة الانتشار، وتعرف نفسها بأنها تضم أكثر من 10 ملايين شخص في أكثر من 150 بلداً وإقليماً. ويكمن وزنها في قدرتها على الجمع بين البحث الحقوقي والحشد الجماهيري والتأثير الإعلامي، بما يمنح توقيعها ثقلاً معنوياً وسياسياً كبيراً.
منظمة التضامن المسيحي العالمي (Christian Solidarity Worldwide)
www.csw.org.uk
منظمة متخصصة في حرية الدين أو المعتقد المسيحي، ولها حضور مؤسسي في لندن وبروكسل وواشنطن. وكان لها تأثير كبير على الموقف الأوروبي من قضايا السودان خاصة قبل اتفاقية السلام وانفصال الجنوب. وتنبع أهميتها من طابعها التخصصي ونفاذها إلى ملفات الحريات الأساسية وحقوق الأقليات داخل الدوائر الدولية والأوروبية.
منظمة مراقبة حقوق الإنسان (Human Rights Watch)
www.hrw.org
من أكثر المنظمات الحقوقية الدولية تأثيراً في المجال البحثي والسياساتي، وتذكر أنها تعمل في نحو 100 دولة عبر فريق يضم قرابة 500 شخص من أكثر من 70 جنسية. وتتمثل أهميتها في القيمة المرجعية العالية لتقاريرها لدى البرلمانات ووسائل الإعلام والدوائر الدبلوماسية.
منظمة صحافة حرة بلا حدود (Free Press Unlimited)
www.freepressunlimited.org
منظمة متخصصة في حرية الصحافة والإعلام وسلامة الصحفيين ودعم الإعلام المستقل. وتنبع أهميتها من ربط الخطاب بملف حماية الصحفيين وحرية المعلومات والتوثيق في بيئات النزاع، وهي عناصر ذات صلة مباشرة بالحالة السودانية.
منظمة مدافعي الصفوف الأمامية (Front Line Defenders)
www.frontlinedefenders.org
منظمة دولية أُسست عام 2001 وتركز على حماية المدافعين عن حقوق الإنسان المعرضين للخطر. وتكمن أهميتها في بعدها العملي المباشر المرتبط بالحماية والمناصرة المؤسسية للمدافعين والنشطاء المستهدفين.
الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان (International Federation for Human Rights – FIDH)
www.fidh.org
شبكة حقوقية دولية عريقة تأسست عام 1922 وتضم قرابة 200 منظمة عضو. وتنبع أهميتها من ثقلها الشبكي والمؤسسي، ومن حضورها الواضح في ملفات العدالة الدولية، والجرائم الجسيمة، وحماية المدافعين عن حقوق الإنسان.

Exit mobile version