رأي

مختارات من أبرز أقوال و حكم الإمام الحارث بن أسد المحاسبي

🟢سراج الدين عبدالغفار يكتب :

هو أبو عبد الله الحارث بن أسد البغدادي المحاسبي، كان من العلماء الصالحين، وله مؤلفات في الزهد والتصوف، من أشهرها: “الرعاية لحقوق الله”

سمات أقواله :

التركيز على محاسبة النفس . العمق والتدقيق الوجداني. الربط بين العلم والعقل .الزهد والورع .

ادناه نماذج من تلك الأقوال :

( واستعن بالله في كل أمر، واستخر الله في كل حال، وما أرادك الله له فاترك الاعتراض فيه، وكل عمل تحب أن تلقى الله به فألزمه نفسك، وكل أمر تكرهه من غيرك فاعتزله من أخلاقك، وكل صاحب لا تزداد به خيرًا في كل يوم فانبذ عنك صحبته، وخذ بحظك من العفو والتجاوز ) .

«من أصلح سريرته أصلح الله علانيته، ومن عمل لله كفاه الله ما أهمّه.»وقوله: «لا يكن حظك من العلم أن تقول: قد علمت، بل ليكن حظك منه أن تعمل بما علمت.»

«إنما تحاسب نفسك لأنك تعلم أن الله يحاسبك، فإذا علمت أنه يحاسبك على الصغيرة والكبيرة حاسبت نفسك على النقير والقطمير.»

«إن الناس إنما يُخلِصون في أعمالهم على قدْر معرفتهم به، ويتواضعون لله على قدر معرفتهم به، ويشكرون لله نِعَمه على قدر معرفتهم به.»

اترُكْ خوفَ الدنيا، تأمن الآخرة. واطلُبْ أمنَ الآخرة بخوف الدنيا.»

وقوله: «من عرف الدنيا لم يفرح لرخائها، ولم يحزن لشقائها، لأنهما زائلان.»

وقوله: «أنيسُك اليوم هو أنيسُك غدًا في قبرك، وعملُك اليوم هو عملك غدًا؛ فانظر من

‏واعلم أنَّ من نصحك فقد أحبَّك، ومن داهنك فقد غشَّك، ومن لم يقبل نصيحتك فليس بأخٍ لك.

‏واعلم يا أخي أن الذنوب تورث الغفلة، والغفلة تورث القسوة، والقسوة تورث البعد من الله، والبعد من الله يورث النار! وإنما يتفكر في هذا: الأحياء، وأما الأموات فإنهم قد أماتوا أنفسهم بحب الدنيا».

ولا تحقرن ذنبًا، ولا تظهرن سرًّا، ولا تكشفن سترًا، ولا تحدثن نفسك بخطيئة، ولا تصرن على صغيرة، وافزع إلى الله عند كل فاقة، وافتقر إليه في كل حال، وتوكل عليه في كل أمر، واعتزل الهوي .

واكد في احدي رسائله انه

لا دليل أنجح من العلم، ولا زاد أبلغ من التقوى، وما رأيت أنفى للوسواس من ترك الفضول، ولا أنور للقلب من سلامة الصدر .

نبذة عن حياته ونشأته:

هو الحارث بن أسد المحاسبي، وُلد في البصرة حوالي عام 165 هـ، وعاش أغلب حياته في بغداد، وتوفي بها عام 243 هـ

لُقِّب بـ “المحاسبي” لكثرة محاسبته لنفسه وتدقيقه في خطرات قلبه وأفعاله.وورعه .

اشتُهر بورع شديد ، ويُروى أنه ورث من والده مالاً كثيراً فرفضه ولم يأخذ منه درهماً واحداً، لأن والده كان يتبنى فكراً كلامياً خالف فيه الحارث عقيدته، فآثر الزهد والفقر على الشبهة

قال الجنيد: “خَلَّفَ له أبوه مالًا كثيرًا فتركه، وقال: صحَّت الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا يتوارث أهل ملَّتين شيئًا».. وكان أبوه واقفيًّا”؛ أي يقف في القرآن فلا يقول هو مخلوق ولا غير مخلوق، فرفض المحاسبي أن يرث منه؛ لأنه لم يجزم بأن القرآن غير مخلوق، على الرغم من تركه لمال كثير.

أبرز كتبه ومؤلفاته :

كان المحاسبي غزير الإنتاج، وكتبه تُعد أصولاً في علم النفس السلوكي والتزكية:

وكتاب الرعاية لحقوق الله: من أشهر كتبه على الإطلاق، تناول فيه بكثير من التفصيل كيفية مراقبة العبد لربه، ومحاربة الرياء، والعجب، والكبر.

كتاب آداب النفوس: كتاب صغير الحجم لكنه عميق الأثر، يركز على تهذيب الأخلاقً اليومية ومجاهدة الهوى.

وكتاب التوهم: كتاب فريد من نوعه، يأخذ القارئ في رحلة تخيلية بليغة لأهوال يوم القيامة، والحساب، والميزان، ووصف الجنة والنار، لتحريك القلوب.

اما كتابه رسالة المسترشدين: فهو توجيهي ومختصر، يحتوي على وصايا وقواعد عامة لكل من يريد السير في طريق الاستقامة.

و منهج الحارث المحاسبي في التصوف والتزكية تميز ، بخصائص جعلته مدرسة مستقلة:وهي ( الجمع بين الشريعة والحقيقة )فهو يرى أن أي ذوق أو وجد لا يشهد له الكتاب والسنة فهو باطل. لذلك حظي باحترام وتأثير كبيرين، واعتبره الإمام الغزالي لاحقاً العمدة الأساسي الذي بنى عليه كتابه الشهير “إحياء علوم الدين”.

التحليل النفسي الدقيق:

امتاز بـ “تشريح النفوس”؛ فلم يكن يكتفي بالنهي عن المعصية، بل يبحث في جذورها النفسية (مثل: كيف يتسلل الرياء إلى العبادة الطيبة؟ وكيف يتحول العجب إلى كبر؟).

محاسبة الخطرات: ركز على أن إصلاح العمل يبدأ من إصلاح “الخاطرة” التي تقع في القلب قبل أن تتحول إلى نية ثم إلى فعل.

ومن القصص الأخرى التي تدل على ورعه الشديد، ما يُحكى عن الجنيد أن الحارث المحاسبي مَرَّ به يومًا فرأى فيه أثر الجوع فدعاه لدخول الدار وتناول الطعام فوافق. فكان في البيت شيء من طعام عُرْسِ قومٍ، فقدَّمَه إليه، فأخذ المحاسبي لقمة وأدارها في فمه مرات ثم قام وألقاها وغادر. فلما رآه الجنيد بعد ذلك بأيام قال له في ذلك وعاتبه، فقال المحاسبي: “إني كنت جائعًا وأردت أن أَسُرَّك بأكلي وأحفظ قلبك، ولكني بيني وبين اللَّه سبحانه علامة، أَن لا يسوِّغني طعامًا فِيهِ شبهة فلم يمكني ابتلاعه، فمن أين كَانَ لَك ذَلِكَ الطعام؟” فأجابه الجنيد أنه “حُمِلَ إليَّ من دار قريب لي من العُرس”، ثم قال له الجنيد: “تدخل اليوم”، فقال: “نعم”. فقدَّم إليه كِسرًا يابسة؛ فأكل وقال: “إذا قَدَّمْتَ إلى فقير شيئًا فقدِّم إليه مثل هذا”.

فلم يحمله الجوع رضي الله عنه على أكل طعام ظنَّ فيه شبهة، واكتفى بالطعام القليل اليابس، وما ذاك إلا من شدَّةِ ورعه وتقواه، وهذه القصة نسوقها لا لحمل الناس على ترك الطعام والشراب ومتع الدنيا التي أباحها الله سبحانه وتعالى، فأحوال هؤلاء الصالحين يصعب على كثير من الناس تحمُّلها حتى في زمانهم. ويُروى عن الإمام أحمد بن حنبل أنه كان يحذر الناس من متابعة الحارث بن أسد المحاسبي لهذا السبب أنه كان يرى في حاله شدَّةً لا يحتملونها، ولكنَّا نأخذ العبرة من هذه القصة في ضرورة تحري الحلال وعدم التهاون في أمر الرزق، عسى أن يتغمَّدَنا الله برحمته ويسبغ علينا عفوه، فننجو في الدنيا والآخرة وننال رضاه سبحانه وتعالى.

وصل اللهم علي سيدنا محمد المتقين.

المصادر :

‏-رسالة المسترشدين .

-سير أعلام النبلاء للذهبي.

-وفيات الأعيان لابن خلكان.

-الرسالة القشيرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى