ثقافة وفنون

محمد الطريفي: السينما تنقل الإنسان خلف أرقام الحرب.. و«بلقاك أنا» يحكي وجع اللجوء بعيون أم سودانية

حوار: ماجدة حسن
منذ عام 1999، يعمل المخرج والكاتب والمنتج السوداني محمد الطريفي في مجالات الدراما والسينما، متنقلاً بين الفيلم الروائي والمسلسل التلفزيوني والدراما الرقمية، عبر تجارب سودانية وإماراتية تنوعت موضوعاتها وأشكالها الفنية. ومن أبرز أعماله الفيلمان الروائيان «حنين» و«مكان في الروح»، ومسلسل «ترنيمة حب» الذي كتبه وأخرجه، وتناول أحداثه ثورة ديسمبر، وعُرض على منصة «شاهد»، كما قدم المسلسل الكوميدي «تردد فرح» فكرةً وإخراجاً، والمسلسل المصري القصير «جناح 13» لمنصة «سيرة».
وفي عام 2014 أسس الطريفي شركة «ماربلز للإنتاج الفني»، التي راكمت تجربة في الإنتاج الدرامي والتوعوي، من خلال تعاون امتد لسنوات مع منظمة اليونيسف ووزارة الصحة السودانية في حملات صحة الأم والطفل والتطعيم.
ويأتي فيلم «بلقاك أنا»، أحدث إنتاجات الشركة، امتداداً لهذا الانشغال بالإنسان السوداني وتحولاته الاجتماعية والإنسانية، متناولاً تجربة أم سودانية تواجه تداعيات الحرب واللجوء في مصر. وقد اختير الفيلم رسمياً للمشاركة في مهرجان بيشاور السينمائي الدولي 2026، في أولى محطاته بالمهرجانات.
في هذا الحوار مع «الأحداث»، يتحدث محمد الطريفي عن دوافع إنتاج الفيلم، واختيار حكاية الأم السودانية، والتحديات التي واجهت فريق العمل، ومسؤولية السينما في توثيق التحولات التي فرضتها الحرب، كما يتناول تجربة «ماربلز» ومسارها الإنتاجي، وما يعنيه وصول الحكاية السودانية إلى جمهور خارج حدود الوطن.
بدايةً، ما الذي دفعكم إلى إنتاج فيلم «بلقاك أنا»؟ ولماذا اخترتم حكاية أم سودانية تعيش تجربة اللجوء في مصر تحديداً؟
الحرب لم تترك بيتاً سودانياً على حاله. وحين وصلتنا الحكاية التي كتبها وقاص الصادق، شعرت بأنها تخصنا جميعاً، ولا تتحدث عن آخرين. اخترنا الأم لأنها في كل نزوح هي من تحمل البيت معها؛ تحمل أولادها وخوفها وذاكرة المكان الذي تركته، وتحاول أن تبدو قوية أمام الجميع. أما مصر فلأنها كانت الوجهة الأقرب والأوسع لآلاف السودانيين. هناك تبدأ حياة جديدة، فيها دفء الاحتضان وقسوة الغربة في الوقت نفسه.
إلى أي مدى تعكس قصة الفيلم واقعاً تعيشه آلاف الأسر السودانية التي فرّقتها الحرب؟
لم نخترع شيئاً بعيداً عن الناس. كل سوداني يشاهد الفيلم سيجد فيه أماً يعرفها، أو أخاً ينتظر خبراً، أو بيتاً يتواصل أفراده عبر الهاتف من ثلاث دول. الفيلم يحكي قصة واحدة، لكنها تشبه آلاف القصص التي لم يروِها أحد بعد.
ما أبرز التحديات التي واجهتكم في إنتاج الفيلم، خاصة أن موضوعه يرتبط بتجربة إنسانية حساسة وواقع الحرب واللجوء؟
أصعب ما واجهناه هو المسؤولية. عندما تقترب من جرح مفتوح، يجب أن تكون حذراً، فلا تستغل وجع الناس ولا تحوّله إلى مشهد للبكاء فقط. أردنا فيلماً صادقاً يحفظ كرامة شخصياته.
أما التحدي الآخر فكان إنتاجياً؛ فالأفلام المستقلة تعيش على الإيمان بها أكثر من الميزانيات. ولولا الشراكة مع «Trgr Production» و«Cairo Production House»، ودعم مركز إلفة ووفاء مدني لمستحضرات التجميل، لما اكتمل المشروع بهذه الصورة.
وأحيّي هنا المخرجة وصال عبد الرحيم التي أمسكت بالحكاية بحساسية عالية، والمستشارة الإنتاجية ميسون حافظ التي كانت سنداً حقيقياً في كل مرحلة، والمنتجة إيمان دهب التي حملت تفاصيل العمل اليومية بصبر كبير، والممثلة زهراء منصور التي منحت الأم روحاً وصدقاً يصلان إلى المشاهد دون مبالغة. والشكر موصول لكل فريق «ماربلز»، فهذا الفيلم ثمرة جهد جماعي قبل أي شيء.
هل ترى أن السينما السودانية مطالبة اليوم بتوثيق التحولات الاجتماعية والإنسانية التي أفرزتها الحرب؟
نعم، وأعتبرها مسؤولية لا خياراً. الأخبار تنقل الأرقام، أما السينما فتنقل الإنسان الذي يقف خلف الرقم. إن لم نحكِ نحن ما عشناه، فسيحكيه غيرنا بطريقته.
ومع ذلك، لا أريد أن تصبح سينمانا سينما حرب فقط. نحكي الحرب لنحفظ ذاكرة الناس ونقاوم النسيان، لا لنقيم فيها.
ما الذي تطمحون إلى أن يتركه «بلقاك أنا» لدى الجمهور، خصوصاً الجمهور غير السوداني؟
أتمنى أن يخرج المشاهد غير السوداني وقد عرف أن اللاجئ ليس رقماً في تقرير، بل أم وأب وأولاد كانت لهم حياة كاملة قبل أن تنقلب في يوم واحد. لو جعل الفيلم أحداً ينظر إلى جاره السوداني بعين مختلفة، فهذا يكفيني.
هل يمثل «بلقاك أنا» تجربة مستقلة، أم بداية لمشروع سينمائي أوسع لنقل حكايات السودانيين في زمن الحرب واللجوء؟
لا هذا ولا ذاك تماماً. «بلقاك أنا» امتداد لطريق بدأناه في «ماربلز» منذ سنوات. سبق أن أنتجنا مسلسل «ترنيمة حب» عن ثورة ديسمبر، وعُرض على منصة «شاهد»، وكان من أوائل الأعمال الدرامية التي وثّقت تلك اللحظة المفصلية في تاريخ السودان.
واليوم نواصل الطريق نفسه مع مرحلة جديدة وجرح جديد هو الحرب واللجوء. نحن نؤمن بأن دورنا أن نكون قريبين من الإنسان السوداني في كل تحولاته، في الثورة وفي الحرب وفي الغربة، وأن نحفظ هذه اللحظات بالصورة قبل أن تضيع. لذلك، هذا الفيلم خطوة إضافية في مسيرة «ماربلز»، ولن يكون الأخير.
اختير الفيلم رسمياً للمشاركة في مهرجان بيشاور السينمائي الدولي 2026. ماذا تعني لكم هذه المشاركة؟
للتوضيح، لم يُعلن فوز الفيلم بجائزة حتى الآن. ما حدث هو اختياره رسمياً في مهرجان بيشاور السينمائي الدولي، وهي أول محطة له في المهرجانات، ولها عندنا معنى خاص.
هذا الاختيار يقول إن الحكاية السودانية قادرة على أن تعبر الحدود، وأن يفهمها جمهور لا يتكلم لغتنا ولا يعرف شوارعنا. هو تقدير لكل فريق العمل، ولكل أسرة سودانية تعيش هذه التجربة الآن. وننتظر إعلان النتائج يوم 8 نوفمبر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى