سؤال اليوم |
القاهرة – سماح طه
“العالم يتصارع حول تخصيب اليورانيوم… ونحن ما زلنا نحتاج إلى الخروج من الظلمات إلى النور. ما نعيشه ليس تأخرا… بل توقفًا”.
بهذه الكلمات، لخّصت سيدة سودانية في تعليق على مواقع التواصل الاجتماعي واقعا يراه ملايين السودانيين كل يوم. ففي الوقت الذي تتنافس فيه الدول على تطوير الذكاء الاصطناعي، والطاقة النووية، واستكشاف الفضاء، لا يزال المواطن السوداني ينتظر عودة التيار الكهربائي حتى يتمكن من تشغيل مروحة، أو حفظ دواء، أو تشغيل مضخة مياه، أو إنجاز عمله.
قد تكون العبارة قاسية، لكنها تطرح سؤالًا يستحق التوقف عنده: لماذا استعصت أزمة الكهرباء على الحل في السودان، رغم مرور عقود على الحديث عن تطوير هذا القطاع، ورغم الإمكانات الطبيعية الهائلة التي تمتلكها البلاد؟
قصة تكشف الفارق بين عالمين
تداول ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي رواية لسوداني يقيم في ألمانيا، قال إنه تأخر يومًا عن سداد فاتورة الكهرباء فقطعت الشركة التيار عن منزله. لم يفزع، بل اشترى شموعًا وجلس مع أطفاله يحكي لهم عن السودان، حيث اعتاد الناس على انقطاع الكهرباء حتى أصبح الظلام جزءا من تفاصيل الحياة.
وبحسب الرواية، فوجئ بجيرانه يستغربون بقاء أسرة كاملة بلا كهرباء، وسارعوا إلى مساعدته، لأن انقطاع الكهرباء هناك يعد حدثًا استثنائيًا، بينما أصبح في السودان أمرًا اعتياديًا.
وسواء صحت جميع تفاصيل هذه الرواية أم لا، فإنها تعكس الفارق بين مجتمعات تعتبر الكهرباء حقًا أساسيًا، وأخرى اعتادت التعايش مع غيابها.
أزمة لم تبدأ بالحرب
لم تولد أزمة الكهرباء مع اندلاع الحرب في أبريل 2023، بل تعود جذورها إلى عقود مضت، عندما لم تواكب مشروعات التوليد والنقل والتوزيع الزيادة السكانية والتوسع العمراني والاقتصادي.
ومع افتتاح سد مروي عام 2009، اعتقد كثيرون أن السودان سيطوي صفحة القطوعات، خاصة أن المشروع مثل أكبر استثمار في قطاع الكهرباء، وأضيفت إليه محطات حرارية ومشروعات توسعة للشبكة القومية.
غير أن الأزمة استمرت، بسبب تقادم شبكات النقل والتوزيع، وارتفاع تكاليف التشغيل، ونقص الوقود للمحطات الحرارية، وتأخر الصيانة، وتعطل عدد من المشروعات التي كان يفترض أن تعزز استقرار الشبكة.
كما شهد القطاع في تلك الفترة خلافات معلنة بين وزير السدود الأسبق أسامة عبد الله ووزير الكهرباء الأسبق مكاوي محمد عوض حول إدارة القطاع وأولويات تطويره، وهو ما عكس حجم التحديات التي واجهت الكهرباء حتى قبل الحرب.
الحرب عمّقت الأزمة
جاءت الحرب لتزيد المشهد تعقيدًا، بعد تعرض محطات التحويل وخطوط النقل ومحولات رئيسية للاستهداف، وخروج أجزاء من الشبكة عن الخدمة، وتأخر وصول قطع الغيار، وهجرة عدد من المهندسين والفنيين ذوي الخبرة.
وخلال الأيام الماضية، تسبب حريق في خروج تغذية سد مروي عن الخدمة، ما انعكس على الإمداد الكهربائي في عدد من الولايات، وأعاد أزمة القطوعات إلى واجهة المشهد.
الكفاءات موجودة… لكن التحديات كبيرة
وفي إفادة خاصة لـ “الأحداث”، أكد مصدر مطلع بقطاع الكهرباء أن أفضل الكفاءات الهندسية والفنية موجودة حاليًا في سد مروي، وتعمل على مدار الساعة لمعالجة الأعطال وإعادة الخدمة في أسرع وقت.
وأوضح أن الأزمة الحالية لها مبرراتها الفنية، في مقدمتها الأضرار التي لحقت بمحطات الكهرباء وخطوط النقل نتيجة الاستهداف خلال الحرب، والتي أثرت بصورة مباشرة على استقرار الشبكة.
وأضاف أن استمرار الأزمة لا يعود إلى الأعطال وحدها، وإنما أيضًا إلى تعطل عدد من المشروعات التي كان يمكن أن تسهم في استقرار الإمداد، رغم أن تنفيذها لا يتطلب تكاليف كبيرة مقارنة بأثرها.
وأشار إلى أن قطوعات الكهرباء في فصل الصيف ترتبط عادة بانخفاض مناسيب المياه، ما يؤثر على إنتاج المحطات الكهرومائية، إلى جانب الضغط المتزايد على الشبكة.
وزارة الطاقة: جهود لإعادة الاستقرار
وفي أحدث بياناتها، أعلنت وزارة الطاقة أن فرق الصيانة والتشغيل بالشركة السودانية للتوليد الحراري تمكنت من إعادة عدد من وحدات التوليد إلى الخدمة وربطها بالشبكة القومية، بما أسهم في تقليل آثار خروج تغذية سد مروي.
وأضافت الوزارة أن ملحقات الكوابل ومعدات الربط في طريقها إلى سد مروي، وأن أعمال الصيانة والتجهيز تتواصل على مدار الساعة بإشراف مباشر من وزير الطاقة وفريق إدارة الكهرباء، تمهيدًا لإعادة الإمداد الكهربائي إلى وضعه الطبيعي.
الهروب إلى الطاقة الشمسية… لكن ليس للجميع
ومع استمرار القطوعات، اتجه آلاف السودانيين إلى الطاقة الشمسية باعتبارها الحل الأكثر استقرارًا، فأصبحت الألواح الشمسية مشهدًا مألوفًا فوق أسطح المنازل والمزارع والمتاجر.
غير أن هذا الخيار ظل بعيدًا عن متناول كثير من الأسر، بسبب ارتفاع أسعار الألواح والبطاريات والمحولات، إلى جانب الرسوم الجمركية والضرائب المفروضة على بعض مكونات أنظمة الطاقة الشمسية.
ويرى مختصون أن السودان، الذي يتمتع بمعدلات عالية من سطوع الشمس طوال العام، كان ينبغي أن يجعل من الطاقة الشمسية مشروعًا وطنيًا، عبر إعفاء معداتها من الرسوم والضرائب، وتوفير التمويل الميسر للمواطنين والقطاعين الزراعي والصناعي.
دعوات للمراجعة والمحاسبة
وفي المقابل، يرى عدد من الكُتّاب والمراقبين أن الأزمة تتطلب أكثر من حلول إسعافية. فقد دعا الكاتب الصحفي محمد عبد القادر إلى مراجعة شاملة لقطاع الكهرباء، وإجراء تحقيقات شفافة في أسباب تكرار حالات الإظلام، ومحاسبة أي تقصير إن ثبت وجوده، إلى جانب إعادة هيكلة القطاع والاستفادة من الكفاءات الفنية ووضع خطة وطنية تضمن استقرار الإمداد الكهربائي.
إلى متى؟
السودان ليس بلدًا فقيرًا في موارده الطبيعية. فهو يمتلك الأنهار، والسدود، وأحد أعلى معدلات الإشعاع الشمسي في المنطقة، وإمكانات واعدة في طاقة الرياح. ومع ذلك، لا يزال ملايين المواطنين يعيشون في دائرة القطوعات، بما ينعكس على المستشفيات، والمصانع، والمدارس، والجامعات، والاستثمار، وحتى الحياة اليومية للأسر.
وربما لا يكون السؤال اليوم عن موعد إصلاح عطل في سد مروي، أو عودة محطة إلى الخدمة، بل عن مستقبل قطاع كامل ظل لعقود يراوح مكانه، بينما تجاوز العالم هذه المرحلة منذ زمن.