متى يتحرر العفريت من قمقمه لينهض؟

د. محمد يوسف حسن

سبعون عاماً ونحن ندور في الحلقة ذاتها.. كما بنو إسرائيل في “التيه”. سبعون عاماً ولم نتفق على مشروع وطني نعزز به موجبات الهوية الوطنية ولم نتوحد على مشروع نهضوي لكن ظلت أزمات الخلاف مستمرة؛ كأننا تخصصنا في نسج الخصومة. والعالم حولنا يتسابق في حسن استغلال وإدارة موارده، وبناء شراكاته لتحقيق نهضته. وكأن لعنة السياسة والقبلية والجهوية أصبحت قوتنا اليومي في ظل كل تلك التحديات التي تحيط بنا.

مشكلتنا لم تكن يوماً في نقص الموارد ولا قلة فرص العمل ولا الوزارات، لكن في نصب فخ الصراعات حولها ورغبة الإستئثار. امتلكنا الأرض الخصبة والمياه العذبة والثروات النادرة والموقع الإستراتيجي، لكننا امتلكنا أيضاً قدرة عجيبة على تحويل كل فرصة إلى أزمة حتى أضحت لعنة. كل فكرة ولادة مشروع وطني كبير تتفجر حوله الخلافات بين مكونات المجتمع وجماعة المصالح فيصبح حلما لم يكتمل.. أين ترعتي كنانة والرهد وأين سد كجبار وأين الإمتداد الثالث لمشروع الرهد؟ وأين مشروع القمر الصناعي السوداني؟ وأين المشروع التراثي السياحي وإحياء مدينة سواكن؟ أين مشروع حصاد المياه لتوسيع الرقعة الزراعية واستقرار الرعاة بمواشيهم؟ ومثل ذلك كثير مات في ظل الصراع أو الإهمال والنسيان.

هل ماتت فينا القدرة والرغبة في التعافي والنهوض؟!!! والتاريخ القريب يقدم لنا درسين افريقيين لا يمكن القفز فوقهما؟ إثيوبيا خرجت من مجاعات السبعينات وحروب التسعينات لأنها ثبتت رؤية الدولة فوق تقلبات السياسة. ظل “سد النهضة” مشروعاً قومياً لا تغيره الحكومات. قبلت بالألم الاقتصادي قصير المدى لتشتري الاستقرار طويل الأمد. لم تنتظر إجماعاً، بل صنعت الإجماع حول المشروع.
أما الدرس الأبلغ فجاء من رواندا. بلد ودّع مليون قتيل في مائة يوم، وكان منطقياً أن يختفي من الخارطة. لكن قيادة ذات عزيمة ورؤية وإرادة قررت أن توقف نزيف الانتقام وتؤسس لدولة القانون. حرمت القبلية بالتشريع لأنها كانت وقود الإبادة، وفرضت “النفير” الإلزامي شهراً بعد شهر لتنظف الشوارع وصيانة المدارس. عاقبت خطاب الكراهية بالسجن، وكافأت الالتزام الضريبي بالخدمات. النتيجة: من رماد الإبادة إلى أنظف عاصمة أفريقية وأسرع اقتصاد نمواً. السر لم يكن في الموارد لأن رواندا محدودة الموارد، لكن وضوح الرؤية فجر الإرادة وحسن الإدارة. رواندا أكدت في قرار واحد: الوطن أهم من الثأر.

ما يجمع التجربتين هو “عقد اجتماعي” واضح: دولة صاحبة رؤية لا تتزحزح، ومجتمع صاحب استجابة يتحمل كلفة البناء. هذا ما نفتقده. نحتاج هدنة مع ذواتنا قبل خصومنا. هدنة عشر سنوات نوقف فيها صناعة الأزمات ونتفق على ثلاثة مشاريع فقط لا تغيرها الحكومات: أن نكون سلة غذاء العالم، وبوابته اللوجستية عبر موانئنا، وأن نضيء الريف بالطاقة. نحتاج عدالة انتقالية تنتهي بالدمج لا بالتشفي، وقانوناً يجرم خطاب الكراهية كما جرمت رواندا القبلية.

في آسيا “لي كوان يو” الأب المؤسس لنهضة سنغافورة الحديثة، حوّل سنغافورة من جزيرة فقيرة بلا موارد طبيعية، تعاني بطالة وصراعات عرقية في الستينات، إلى واحدة من أغنى بلدان العالم وأكثرها تطوراً. كانت من أهم ركائز نهضته محاربة الفساد حتى صار صفرا. وسن قوانين صارمة، ومنح رواتب عالية للمسؤولين، ونصب هيئة مكافحة فساد بصلاحيات مطلقة. استثمار ضخم في التعليم الفني والجامعات. وجلب أفضل العقول لبناء كفاءات عالية. وكرس الانضباط والقانون عبر النظافة، الأمن، الإلتزام. وفرض غرامات قاسية على المخالفات البسيطة.
جعل الهوية فوق العرق. فرض الإنجليزية لغة مشتركة، وإسكان مختلط يمنع تكتل العرقيات. فتح السوق للاستثمار الأجنبي، وجعل سنغافورة مركزاً مالياً ولوجستياً عالمياً. وقال مقولته الشهيرة: “من يحكم يجب أن يكون مستعداً لفعل ما هو ضروري، لا ما هو شعبي”. واجه دولة منهارة أو فقيرة، واختار “المشروع الوطني” قال: “سنغافورة ستبقى إذا كان شعبها منضبطاً”.
التاريخ يخلد من انتصروا في معارك البناء لا الإقصاء، ويذكر مهاتير محمد، نيلسون مانديلا و دينغ شياو بينغ مؤسس نهضة الصين الحديثة.

الموارد لدينا موجودة، والكفاءات موجودة، والعبرة على مرمى حجر. السؤال لم يعد هل نستطيع، بل هل نريد. أما آن لأهل السودان أن يقتنصوا العبر وينهضوا من الحفر؟
عندما نضع تجربة سنغافورة والصين أمام مرآة الواقع السوداني، لا نبحث عن استنساخ أعمى. لكن قوانين النهوض واحدة، والمرض واحد، والدواء واحد. كلاهما بدأ من القاع الذي نحن فيه اليوم، واختار طريقاً عكس طريقنا تماماً.
لي كوان يو استلم سنغافورة وهي مستنقع طائفي. صينيون وملايو وهنود يتقاتلون، بلا ماء عذب ولا جيش ولا عمق. الخيار كان واضحاً: إما أن نفرض القانون بصرامة أو نغرق. فاختار القانون. منع الخطاب العرقي، وفرض الإسكان المختلط، وجعل الكفاءة معيار الوظيفة لا القبيلة. النتيجة: هوية سنغافورية واحدة ولدت من رحم التمزق.. وحول اللعنة إلى نعمة.
أما نحن فما زالت كل نخبة تريد أن تبدأ التاريخ من عندها. الصراع عندنا لم يتوقف منذ 1956، بينما نحن نبحث عن “من يحكم؟”، وغيرنا بلغ “كيف يحكم؟”.

نحن نملك كل شيء ولا ننتج أي شيء. عندنا ذهب وعملتنا تنهار. عندنا شباب وعقولنا مهاجرة. حولنا الموارد إلى لعنة لأنها صارت سبباً للصراع لا للبناء. كل قبيلة تريد بئر بترولها، وكل إقليم يريد ميناءه، فتوقفنا جميعاً.
لي كوان يو فهم أن الفساد ليس ذنباً فردياً بل نظام حكم. لذلك ضرب بلا رحمة. سجن وزراءه وأصدقاءه. وفي المقابل رفع رواتب الموظفين حتى لا يحتاجوا للرشوة. جعل الخدمة العامة شرفاً لا مغنماً. اليوم سنغافورة رقم واحد في الشفافية.

في سنغافورة تم إبرام عقد إجتماعي واضح.. أنت تلتزم بالقانون والنظافة والعمل، والدولة تعطيك تعليماً وسكناً وأمناً. لا أحد فوق القانون. تبصق في الشارع تدفع غرامة. ترمي سيجارة تُجلد. القسوة هذه صنعت أجمل مدينة في آسيا.

عندنا العقد معكوس.. الدولة لا تعطي شيئاً وتطلب كل شيء، والمواطن لا يثق فيضطر لدفع رشوة لينجو. لا أحد يلتزم لأن لا أحد يرى مقابلاً. الشارع متسخا لأن الحي لا يملكه أحد، وكذلك الأسواق تفترش الأوساخ والمحليات لا تحضر إلا لجمع الضرائب، والضرائب لا تُدفع لأنها لن تعود بخدمات. والكل يريد أن ينجو من العقاب (بسلاطة لسان او بواسطة فلان).
والدروس التي يجب أن يعتبر بها السودان .. إيقاف صناعة الخصومة بقانون. “لي كوان يو” جرّم الخطاب العرقي، نحن نحتاج قانوناً يجرم خطاب الكراهية الجهوي والقبلي بعقوبة رادعة. وأن نبني مشروعا قوميا لا يتغير. نحتاج ثلاثة مشاريع فقط لمدة عشرين سنة نحقق فيها أن نصبح سلة غذاء العالم، ونحول موانئنا إلى بوابة أفريقيا، ونضيء الريف بالطاقة الشمسية. أي حكومة تأتي تلتزم بها، ومن يغيرها يُحاكم بتهمة الخيانة الوطنية.

ولإبرام صفقة الفساد صفر، أن نرفع رواتب المعلم والشرطي والقاضي إلى حد الكفاية، وفي المقابل أي رشوة تعني الفصل والسجن. نبدأ بهيئة مستقلة لها نيابة وشرطة خاصة، كما فعلت سنغافورة. لا تنمية مع الفساد.
نحن عبرنا سبعة عقود بلا تحسس ولا أساس. سنغافورة والصين لم تولدا عظيمتين. قررتا أن تكونا عظيمتين، ودفعتا الثمن لذلك فنهضتا. نحن الآن في القاع .. ومن في القاع ليس أمامه إلا خيار الصعود إلى أعلى..هل نفعلها حقا ونصعد؟ أم نركن ونظل نحفر إلى أسفل القاع؟!!!

Exit mobile version