عبد اللطيف البوني يكتب:
(1)
مر على السودان زمن كان النجاح الأكاديمي ينظر اليه كحدث عابر لا يؤبه له كثيرا … ويعتبر أمرا يخص الشخص الناجح ..وليس له أي ابعاد اجتماعية … رغم ان فرص الترقي الأكاديمي كانت قليلة… والمنافسة فيها حادة …وكان التعليم عبارة عن سلم اجتماعي يتحول متلقيه من طبقة الي أخرى ..
حكي البروفسير احمد الامين الشيخ كيف سمع خبر انه اول الشهادة السودانية قائلا.. انه خلد للنوم بعد يوم مضني من العمل كطلبة بناء… فإذا بالاسطى الذي كان يعمل تحته يوقظه من النوم ويقول له انه فتح الراديو صدفة ..فاذاع نتيجة الشهادة السودانية وانه (احمد الامين) جاء الأول على مستوى السودان وانتهى الأمر على كده ..أما البروفسور محمد احمد الشيخ فقال انه جاء للمدرسة يسال عن نتيجة امتحان الشهادة فقيل له… النتيجة أعلنت منذ ثلاثة شهور وانه كان أول السودان … …خالنا الحسين التوم الكباشي الذي التحق بكلية الاقتصاد بجامعة الخرطوم في مطلع ستينات القرن الماضي ..لم يشتغل به الا ابن عمته الاستاذ الراحل عبد القادر الافندي والذي كان يسكن في طرف اخر من القرية.. فعندما سمع اسمه في الراديو قام بتوزيع (كوز تمر ) على الحضور الذين كانوا يستمعون للراديو في (دكان ود اللمين)… والذي راج في القرية وبقى في ذاكرة أخينا (الصديق مزاج )..الذي روى القصة ليس دخول الحسين الجامعة إنما توزيع كوز التمر …
(2)
في ذلك الزمن مهما كان عدد الناجحين كبيرا فإن فرص الالتحاق بالمرحلة التالية كانت محدودة ..فقبل السلم التعليمي الذي ادخلته حكومة مايو في أول سنواتها كانت التصفية تتم في نهاية المرحلة الأولية …إذ يتنافس مئات التلاميذ على أربعين مقعد في المرحلة الوسطى ..أما البقية وقد يكون معظمهم ناجحين يدخلون الحياة العملية .. خطأ يطلق عليهم فاقد تربوي ..وهذة قصة أخرى ..انها سياسة الانجليز التي تقوم على التعليم بقدر الحاجة ..وكان يطلق على من نال مقعدا من الناجحين …فائز ..كما جاء في اغنية صديق أحمد
أن شاء الله يا بسام
تحقق الأحلام
وتظهر نتيجة العام
وتكون من الفايزين
جدنا علي ود الطريفي رحمه الله عندما نجحت ابنته في الدخول للمرحلة الوسطى أخبرته قائلة له (يابا انا فزت)..وكانت قد خطبت منه وهي لا تدري… فقال لها ( مبروك …اصلا انتي فايزة)… إذ كان يضمر فوزا يختلف عن الفوز الذي تقصده ابنته .. وبالفعل فاز فوز الوالد … ويومها ساد في قريتنا مصطلح (جامعة ود الطريفي) ..وأظنه أصبح مصطلحا قوميا …
(3)
بعد سلم محى الدين صابر انتقل (عنق الزحاجة) في التنافس الأكاديمي من المرحلة الأولية الي مابعد المرحلة الثانوية.. إذ لم تتوسع قاعدة التعليم الجامعي الي ان جاءت حكومة الإنقاذ فكانت الزيادة المهولة في عدد الجامعات في عهد إبراهيم أحمد عمر ..
ومن يومها لم يعد الالتحاق بالجامعة قصة تروى… ومع زيادة الجامعات الخاصة أصبحت الحكاية (كسرة بي موية)… يكفي ان نعرف ان عدد كليات الطب اليوم في بلادنا كابست السبعين …عامة وخاصة …
(4)
هذا التوسع في قاعدة التعليم الأكاديمي لدرجة أصبح معها التعليم لا يحدث فرزا اجتماعيا كما كان سابقا ..صاحبته ظاهرة اجتماعية مغايرة له وهي الاحتفاء الزائد بالاوئل في مختلف المراحل على المستوى الولائي والقومي ..خاصة اوائل الشهادة الثانوية ..والذي توسع عددهم من العشرة الأوائل الي المية الأوائل …أما اول او بالأحرى اولى الشهادة …إذ أصبح تصدر البنات هو الغالب ..بطلة قومية الي حين ظهور نتيجة العام القادم …لم يعد النجاح هنا أمرا فرديا خاصا كما كان في السابق… إنما يحمل معه الأسرة الصغيرة… والمدرسة… والمحلية.. والولاية …في تقديري ان المسألة اليوم تجاوزت الحدود التربوية المعقولة ..ليس من المصلحة ان يتحول الفائز الي نجم ..فالنجومية غير الصفوية والنخبوية …النجم انسان موهوب كأن يكون فنان أو لاعب كرة …اما الصفوي فإنه انسان خلاق مبتكر مجدد ..نحن نريد لأبنائنا المتميزين اكاديميا ان يكونوا علماء المستقبل يفيدوا البلاد والعباد والبشرية …وينافسوا في الجوائز العالمية كنوبل ..ولا نريدهم نجوما يحصدون التريندات مع احترامنا وحبنا للنجوم …ولكن كل ميسر لما خلق الله ..فيا جماعة الخير هذة الظاهرة الاحتفائية جرعتها زائدة (اوفر ) محتاجة لشوية ضبط …لن نقول لكم ارجعوا لعهد البروفات حاليا (اولاد الشيخ) المذكورين أعلاه ..ولن نقول زيدوا كوز استاذ عبد القادر ود الافندي ليصبح كيلة تمر …شايف الايام تعبئة التمر تحولت من الشولات الي الكراتين ..ولكن نطالب بمراجعة هذا المنهج الاحتفالي الجديد…واهدي النجاح لحبوبتي …ياجماعة اهداء النجاح دا كيف ؟ والله العظيم انا ما فاهم الحتة دي … ولا النجاح ذاتو ما فاهمنا ؟
هذا يقودنا للحديث عن ابنتنا اولى الشهادة الثانوية هذا العام تقى النور محمد النور إدريس ..والذي نبارك لها تفوقها المستحق عن جدارة ..ونسأل الله لها نجاحا مستمرا تنفع به البشرية و ترفع به اسم السودان في المستقبل …ونكمل غدا ان شاء الله …
اما العنوان فهو مطلع لأغنية لفنانة اسمها اماني …كانت تبث بعد اي اعلان لناجحين …أين هذة الفنانة اماني …كانت لها اغنية مشهورة .