رأي

ما وراء الجمود.. ديناميكيات المقاومة

د. الهيثم الكندي يوسف

في مقالاتنا السابقة من هذه السلسلة (في نقد الدولة المصنوعة ومتاهة النخب)، شخصنا دولة الغنيمة بوصفها الهيكل الذي صاغ الواقع السوداني، وناقشنا ضرورة الانتقال نحو دولة الإنتاج.

اليوم وفي إطار سعينا لتطوير هذا التداعي من المقالات لتصبح رؤية متكاملة يمكن أن تكون محاولة لإنجاز التغيير المنشود.

ونحن إذ نقف على أعتاب هذه الرؤية تبرز تساؤلات في غاية الالحاح وهي: إذا كانت الرؤية بهذا الوضوح (دولة الإنتاج بدلاً عن دولة الغنيمة) فلماذا يظل البناء الهيكلي للدولة السودانية صلباً أمام التغيير؟ ولماذا تثير دعوات الإصلاح المخاوف حول مصير وحدة البلاد؟.

إننا اليوم نحتاج إلى فهم (ديناميكية المقاومة) التي تمارسها بنية الدولة وفك الاشتباك بين ضرورة الإصلاح ومخاطر تفتت الوطن.

إن استعصاء الدولة السودانية على الإصلاح ليس مجرد إرادة سياسية إذ أعتبره رد فعل طبيعي ومتوقع، فهو نظام دفاعي طورته بنية الدولة العميقة لضمان بقائها، ودعوني ولأغراض هذه السلسلة من المقالات أعتبر أن نظام المقاومة هذا يعمل عبر ثلاثة مستويات لمقاومة التغيير هي :

المستوي الأول: الجهاز المناعي البيروقراطي: تتميز الإدارة البيروقراطية السودانية بقدرة فائقة على امتصاص الصدمات. فعندما تأتي محاولة إصلاحية لا يرفضها الجهاز الإداري صراحة بل يفرغها من محتواها عبر التعقيد الإجرائي (البطء المتعمد) الذي يقتل التغيير في مهده (تكوين اللجان كمثال) أو التسويف بأي شكل كان.

المستوي الثاني: عقدة الغنم (بضم الغين) : لقد تم بناء مجتمع يعتمد في بقائه على ما تجود به الدولة من عطايا. هذا يخلق غلبة من المواطنين الذين يخشون أن يؤدي انهيار (دولة الغنيمة) إلى انهيار دخلهم الضئيل. هذا الخوف هو السور الذي ظل يحمي النخب، لأن التغيير البنيوي يعني في نظر هؤلاء فقدانا للدخل وبالتالي تزعزع الأمان ولو كان أماناً هشاً.

المستوي الثالث : التحكم الأمني: نجحت الدولة في ربط الاستقرار بـالقبضة الأمنية، وإن كان هذا القول يبدو في ظاهره صحيحاً في دولة كالسودان لها مالها من التحديات الأمنية، إلا أن ذلك يجعل أي دعوة للإصلاح تبدو وكأنها دعوة لزعزعة الاستقرار وانفراط عقد الأمن. وبالتالي يتم التعامل معها كخطر أمني مما يؤدي لإحباطها.

بما أننا – وفي إطار الإنتقال لدولة الإنتاج كمدخل لحل المشكل السوداني المتوارث – قد طرحنا تمكين الأقاليم للاستفادة من الموارد التي تتوفر لديهم، يبرز تحدٍ وجودي وهو الخوف من أن يؤدي شعور الأقاليم بالاكتفاء المالي إلى تغذية النزعات الانفصالية؟ وإن كان هذا التخوف حقيقي ومبرر إلا أن الحل يكمن في الابتعاد عن اللامركزية العشوائية وتبني الفيدرالية التكاملية، واقترح هنا بعض النماذج لتطبيق ذلك:

– نموذج المصالح المشتركة: لا ينبغي أن تكون إدارة المورد إقليمية خالصة بحيث يفضل أن تكون إدارة مشتركة ضمن سلسلة قيمة وطنية. فالربط التبادلي بين الأقاليم المختلفة (موارد، بنية تحتية، طاقة، أسواق، موانئ) بحبث يجد كل إقليم كمال مشروعه الإقتصادي لدي الأقاليم الأخرى، مما يجعل الانفصال انتحاراً اقتصادياً لكل الأطراف. إذاً فالوحدة هنا مصلحية مادية لا فكاك منها.

– صندوق السيادة الوطني: يجب إنشاء آلية مقاصة بحيث يتم إدارة الثروة لصالح الأقاليم المحلية مع تخصيص جزء محدد ومتفق حوله لتمويل مشاريع استراتيجية عابرة للأقاليم تكون لصالح الجميع، وهو مما يمكن أن يربط مصير الأقاليم بمركز القرار الوطني.

– الدراسات والتطوير: يجب على المركز وفي إطار سعيه لتعظيم القيم الاقتصادية للمشاريع في الأقاليم المختلفة أن يهتم بالدراسات والتطوير التي تدعم تلك المشاريع مما يجبر الأقاليم للبقاء ضمن الدولة طالما تجد عندها الحلول للمشكلات الفنية التي ترفع من مدخولات مشاريعهم واستثماراتهم.

إن التعقل يقتضي، وفي إطار سعينا لتطبيق رؤية الإصلاح، أن نتبع فلسفة (الترميم) بدلاً عن (الهدم) فنحن لا نسعى لهدم المعبد، فالتاريخ القريب (تجربة تسقط بس) علمتنا أن الهدم الفوضوي يقود إلى المجهول. إن (الجراحة البنيوية) التي ندعو إليها هي عملية ترميم وتطوير لما هو موجود. لهذا فالمطلوب أن نبني فوق النجاحات ولو كانت محدودة، ونخلق مؤسسات مساعدة في إنزال الرؤية لواقع التطبيق (صناديق استثمار، هيئات تقنية… الخ) تجذب الكوادر المؤهلة والموارد فتجعل الدولة القديمة تتلاشى تلقائيا أمام كفاءة البديل.

إن هدفنا ليس إحداث قطيعة إنما نرغب في خلق انتقال سلس نحو دولة الإنتاج، وهو ما سنفصله بإذن الله في الحلقة القادمة حول كيفية إدارة (قوى المقاومة) وجعلهم شركاء في البناء وتبني الفكرة عوضاً عن مناهضتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى