د. إسماعيل ساتي
نشر الأستاذ عمر يوسف الدقير، رئيس حزب المؤتمر السوداني، مقالاً انتقد فيه الجمع بين مواصلة العمليات العسكرية والدعوة إلى الحوار السياسي، وخلص إلى أن الطريق إلى إنهاء الحرب لا يبدأ بالحسم العسكري، وإنما بالانتقال إلى عملية سياسية شاملة تفضي إلى وقف إطلاق النار، ثم إلى إعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس جديدة.
وليس المقصود من هذه المقالة الدخول في سجال سياسي مع المهندس عمر الدقير ولا مناقشة مواقفه الحزبية، وإنما الوقوف عند المنهج الذي انطلق منه في تشخيص الأزمة السودانية. فالخلاف هنا ليس حول قيمة السلام ولا حول أهمية الحوار السياسي، إذ لا يختلف عاقلان على أن الحروب لا يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية، وأن التسويات السياسية تظل جزءاً من أي سلام مستدام. إنما يكمن الخلاف في سؤال أكثر عمقاً: هل شَخَّص المقالُ الأزمة تشخيصاً صحيحاً؟
إن الإجابة عن هذا السؤال تتوقف على المنهج الذي نعتمد عليه في فهم الأزمات. فهناك فرق جوهري بين التفكير الخطي الذي يبحث عن سبب مباشر لكل ظاهرة، وبين التفكير المنظومي الذي ينظر إلى الظواهر بوصفها نتاجاً لشبكة معقدة من العلاقات والتفاعلات والتغذيات الراجعة.. وهنا، في تقديري، يكمن موطن الخلل.
الأزمة السودانية ليست مشكلة خطية:
تكشف معظم الكتابات السياسية السودانية عن ميل واضح إلى التفكير الخطي؛ أي البحث عن سبب واحد للأزمة، ثم اقتراح حل واحد يقابله. فإذا كانت المشكلة انقلاباً، يصبح الحل انتخابات. وإذا كانت المشكلة حرباً، يصبح الحل وقف إطلاق النار. وإذا كانت المشكلة أزمة اقتصادية، يصبح الحل زيادة الإنتاج أو الحصول على دعم خارجي.
قد تبدو هذه المقاربة منطقية في ظاهرها، لكنها تتعامل مع الأزمات كما لو كانت مشكلات هندسية بسيطة يمكن إصلاحها باستبدال قطعة معطوبة. بينما الحقيقة أن الدولة، خصوصاً في حالات الهشاشة والصراع، ليست آلة ميكانيكية وإنما نظام اجتماعي وسياسي بالغ التعقيد، تتفاعل داخله مؤسسات الدولة والاقتصاد والمجتمع والأمن والعلاقات الإقليمية والدولية، في شبكة يصعب فصل عناصرها عن بعضها البعض. ومن هنا فإن الحرب ليست متغيراً مستقلاً يمكن عزله عن بقية عناصر النظام، وإنما هي أحد مخرجات هذا النظام. إنها النتيجة، وليست البداية.. وهذا هو الفارق الجوهري بين التفكير الخطي والتفكير المنظومي.. فالتفكير الخطي يبدأ من الحدث المرئي، أما التفكير المنظومي فيبدأ من البنية التي أنتجت ذلك الحدث.
الحرب عرض وليست المرض:
حين يذهب الطبيب إلى مريض يعاني ارتفاعاً في درجة الحرارة، فإنه لا يعتبر الحمى هي المرض، وإنما يعدها مؤشراً على وجود خلل آخر داخل الجسم. فإذا اكتفى بإعطاء المريض دواءً يخفض الحرارة دون البحث عن سببها الحقيقي، فإن الحرارة قد تنخفض مؤقتاً، لكن المرض سيظل كامناً وربما يعود بصورة أشد. والأمر نفسه ينطبق على الدول. فالحرب ليست المرض في حد ذاته، وإنما أحد أعراض مرض أعمق أصاب النظام السياسي والدولة والمجتمع.
لقد جاءت الحرب الحالية نتيجة تراكم طويل لعوامل متعددة، من بينها ضعف مؤسسات الدولة، وتعدد مراكز القوة المسلحة خارج القانون، وتآكل احتكار الدولة لاستخدام القوة، وتداخل المصالح الاقتصادية مع النشاط العسكري، وامتداد شبكات التمويل والتشوين من خارج الحدود، فضلاً عن التدخلات الإقليمية والدولية والانقسامات الاجتماعية والسياسية التي ظلت تتراكم عبر عقود.
ولا يمكن لأي محلل أن يفهم الحرب إذا تعامل معها بمعزل عن هذه البيئة التي أنتجتها.. ومن ثم، فإن السؤال الصحيح ليس: كيف نوقف الحرب؟ بل: كيف نغير النظام الذي جعل الحرب نتيجة محتملة لتفاعلاته؟ ذلك سؤال مختلف تماماً وإجابته مختلفة أيضاً.
أين يكمن الخلل في تشخيص الدقير؟
ينطلق المهندس عمر الدقير من فرضية مفادها أن استمرار العمليات العسكرية يتناقض مع الحديث عن الحوار السياسي، وأن الجمع بينهما يجعل السياسة تابعة للحرب لا بديلاً عنها. وهذه الحجة تبدو متماسكة إذا نظرنا إلى الحرب باعتبارها المشكلة الأساسية. لكنها تصبح أقل تماسكاً إذا نظرنا إلى الحرب باعتبارها أحد أعراض أزمة أكبر.. فالمنهج المنظومي لا يرفض الحوار السياسي ولا يقلل من أهميته، لكنه يرفض اختزال الأزمة في ”ثنائية الحرب أو الحوار“، لأن هذه الثنائية نفسها تتجاهل طبيعة النظام الذي أفرز الصراع. إن الحوار في ذاته ليس قيمة مستقلة عن البيئة التي يجري فيها. فهو قد يكون مدخلاً حقيقياً للسلام، وقد يتحول في ظروف أخرى إلى مجرد وسيلة لإعادة توزيع موازين القوى أو كسب الوقت أو إعادة تنظيم القدرات العسكرية، إذا بقيت البنية المنتجة للصراع على حالها. ولهذا فإن السؤال المنظومي لا يبدأ بوجود الحوار أو غيابه، وإنما يبدأ بشروط نجاح الحوار.
هل تغيرت البيئة التي أنتجت الحرب؟
هل تغيرت الحوافز التي تدفع الأطراف إلى القتال؟
هل تغيرت العلاقات التي تسمح بإعادة إنتاج الصراع؟
إذا كانت الإجابة بالنفي، فإن الحوار، مهما كانت النوايا حسنة سيظل معرضاً لأن يصبح جزءاً من الأزمة لا جزءاً من الحل.
لماذا لا يكفي وقف إطلاق النار؟
من أكثر الأفكار حضوراً في الخطاب السياسي السوداني الاعتقاد بأن وقف إطلاق النار يمثل نقطة البداية الطبيعية لأي حل سياسي. لكن التجربة السودانية نفسها تدعو إلى قدر أكبر من الحذر في تبني هذا الافتراض.
فمنذ اتفاقية أديس أبابا عام 1972 مروراً باتفاقية السلام الشامل ثم اتفاقيات الدوحة والشرق وجوبا وغيرها، عرف السودان فترات متعددة توقفت فيها العمليات العسكرية في جبهات معينة، غير أن النزاعات عادت لاحقاً، أحياناً في المناطق نفسها، وأحياناً في مناطق جديدة.
ولم يكن سبب الفشل هو غياب الاتفاقات، وإنما بقاء المنظومة التي أعادت إنتاج الصراع.
لقد تغيرت أسماء الحركات وتغيرت التحالفات وتغيرت مناطق القتال، لكن بقيت البنية العامة للأزمة كما هي، فعادت الحرب في كل مرة بثوب جديد. وهذا يوضح حقيقة كثيراً ما يغفلها الخطاب السياسي، وهي أن وقف إطلاق النار ليس مرادفاً للسلام، كما أن غياب المعارك لا يعني بالضرورة انتهاء الحرب فالسلام ليس حالة مؤقتة من الصمت العسكري، وإنما خاصية لنظام سياسي واجتماعي نجح في إزالة الأسباب التي تجعل العودة إلى السلاح خياراً ممكناً أو مجدياً.
في الجزء الثاني من هذا المقال، سأنتقل من نقد التشخيص إلى بناء البديل المنظومي، وسأتناول مفاهيم مثل حلقات التغذية الراجعة، والنقاط الرافعة (Leverage Points)، واحتواء مصادر التهديد، وترتيب الأولويات في بناء الدولة، ولماذا يختلف مفهوم ”السلام“ في التفكير المنظومي عن مجرد وقف القتال..