لماذا السودان أفقر من غيره؟

بقلم: مصعب عوض محمد خير

لماذا السودان أفقر من السويد؟ وموزمبيق افقر من سنغافورة؟  ماذا يخبرنا علم الاقتصاد  وكيف نستفيد من ذلك لبناء سودان ما بعد الحرب.

السؤال  أعلاه كان دائما واحدا من اهم الاسئلة التي حاول علماء الاقتصاد الاجابة عليه ، ما الذي يجعل  دولة ما اغني او ذات دخل اعلي من الدول الاخري؟ هل هي الجغرافيا؟ الموارد الطبيعية؟ الثقافة؟ الدين؟ التاريخ؟ طبيعة السكان؟ هل هناك شعوب اكسل من شعوب؟   في الواقع  هناك عدة نظريات وعشرات الدراسات والاوراق العلمية التي  كتبت في هذا المجال وتبنت احد هذه العوامل كمفسر للتفاوت في الدخل بين الدول  حتي جاءت الورقة العلمية  التي  كتبها  Acemolgu, johnson and Ropinson   عام 2001  والتي  تعد واحدة من اكثر الاوراق العلمية تاثيرا في الاربعين عام الاخيرة ، حيث قام هؤلاء العلماء الثلاثة  باختبار كل هذه العوامل اعلاه  واثبتو انها لا تفسر تفاوت مستوي الدخل بين الدول مثلا الكوريتين، نفس الثقافة والدين ولكن الدخل متفاوت ، وكذلك عشرات الامثلة لدول تشترك في عامل معين من هذه العوامل ولديها تفاوت في الدخل ، الانظمة السياسية ايضا ليست عاملا مفسرا.

وجد الباحثون الثلاثة  ان العامل المفسر الاساسي هو  جودة المؤسسات ، وهنا لابد من الاشارة الي ان منهج الورقة هو التحليل التجريبي Empirical analysis  وليس الوصفي descriptive، بمعني ليست  مجرد بنات افكار وحجج فلسفية ، بل تم جمع بيانات من  دول من كل قارات العالم وتم اخضاعها لتحليل عميق بحيث ان اساليب البحث الاحصائي والتحليلي التي استخدموها اصبحت مرجعا  ومثالا يدرس في  مناهج البحث والتحليل التحليل الاحصائي في كل الجامعات تقريبا .

اذن الخلاصة هي ان الفيصل في النهضة الاقتصادية للدول هو جودة المؤسسات  ، لهذا كاقتصادي سوداني مهموم بهذه البلاد ظللت اكتب ولن انقطع عن اهمية بناء مؤسسات الدولة والحفاظ عليها وترقيتها ،  في سودان ماوبعد الحرب  نحتاج لامرين، تحسين وترقية المؤسسات الحالية وبناء مؤسسسات جديدة حاولت في منشوراتي السابقة ان اشير الي بعض هذه المؤسسات التي نحتاجها في القطاع الاقتصادي ، ولان المؤسسسات الجديدة تحتاج لاموال بدأنا بالمؤسسات التي تسهم في تحسين الاداء المالي للدولة ، السودان يعتبر من اقل بلدان العالم في التحصيل الضريبي الذي يقدر ب 5% فقط من اجمالي الناتج المحلي مقارنة ب 42% في بلدان اوربا الغربية ، و 18% لبلدان افريقيا جنوب الصحراء .

اهم اداة  لاصلاح مؤسسسات الدولة علي الاطلاق هي نشر البيانات عن اداء هذه المؤسسات ، الحوكمة والشفافية هي جوهر  عملية تقوية المؤسسات ، اغلب السودانيين يعتقدون ان اهم ثمار  الحوكمة والشفافية هي محاربة الفساد ولكن في الواقع الثمرة الاساسية للشفافية والحوكمة  والتي اهم بالف مرة من محاربة الفساد هي  ان الشفافية تكشف ضعف الاداء وتسلط عليه الضوء وكما درسنا في علم الادارة فأن اول الخطوات الخمس لحل اي مشكلة في العالم هي تحديد المشكلة والتعرف عليها ، بدون نشر وشفافية ستظل المشكلات ومعوقات العمل في كل مؤسسات الدولة في اضابير ودفاتر مهملة داخل هذه المؤسسات ستظل كلمات كتبت في مذكرات داخلية من المخلصين من ابناء هذه المؤسسات ولم تري النور . وسائل التواصل الاجتماعي هذه جعلت الشعب مسموع الكلمة وضاعفت قدرته علي الضغط ولكن لابد من الوعي بقضاياه المهمة والاساسية ،  كمثال  ابان هذه الحرب هناك مؤسسات تبخرت واختفت دون اثر لم نري في وسائل التواصل اي تقريع او حملات  او نقاش حولها، مؤسسة كالجهاز المركزي للاحصاء احد اهم واخطر مؤسسات الدولة تبخرت فجاءةوتوقفت عن نشر تقرير التضخم الشهري منذ مارس 2023، دون ان يحتج احد ، لو سألتني ما هي الدولة لاجبتك اربعة مؤسسات ، قضاء وشرطة، وضرائب ، واحصاء،  بعدها تأتي كل المؤسسسات.

امر هام  يجب ان نضعه نصب أعيننا هذه المؤسسات لا يتم اصلاحها بضربة لازب ، كل من يرفع شعارات البتر والتصفية والحل والاعفاء وما شاكلها من حلول بهلوانية للساسة وانصاف المتعلمين هو اما جاهل او صاحب غرض ، الطرق المختصرة لاتجدي ، الحوكمة والشفافية لديها مناهج علمية معروفة ، وعي الشعب باهمية المؤسسات والوعي بقضايا الحوكمة والشفافية هو الضامن الحقيقي لاحداث تحول في اقتصاد السودان ، هذه خلاصة خبرتي وعلمي ومعرفتي في هذه الحياة .

هذه الحرب بأهوالها ستكون نقطة تحول في هذه البلاد،  ليس لدي شك ان في كل محنة منحة ، تنتظرنا سنوات من النمو الاقتصادي والرخاء ، و كما اقول دائما ، هذه الدولة باقية ، ولنا عودة للموضوع.

Exit mobile version