رأي

لا تبكوا جامعة الخرطوم… أعيدوها إلى الحياة .. فلنجعل من الركام بدايةً لجامعة أجمل ومستقبل أفضل

د. الصادق على حاج الشيخ

هناك أماكن لا تسكنها الجدران وحدها، بل تسكنها الذاكرة.. وهناك مبانٍ إذا تهدمت، لا تسقط حجارتها وحدها، وإنما يسقط معها شيء من وجدان أمة.. وهناك مؤسسات لا يمكن أن نقيس قيمتها بعدد قاعاتها، أو مساحة ساحاتها، أو عدد معاملها ومكاتبها ومكتباتها؛ لأنها تصبح، مع الزمن، جزءاً من قصة الوطن وذاكرته..
وجامعة الخرطوم واحدة من تلك الأماكن.

حين يدخل المرء بواباتها، لا يدخل إلى جامعة فحسب؛ يدخل إلى فصل طويل من تاريخ السودان. هنا مرت أجيال، وهنا تشكلت أحلام، وهنا جلس شباب سودانيون في مقتبل العمر أمام أساتذة فتحوا لهم أبواب المعرفة، ثم خرجوا إلى الحياة يحملون شهاداتهم وأحلامهم وشيئاً من روح المكان.

من جامعة الخرطوم خرج الطبيب والمهندس والقانوني والأستاذ والباحث والدبلوماسي والاقتصادي والعالم والمفكر، وحمل كثيرون منهم اسم السودان إلى مؤسسات العالم وجامعاته ومشافيه ومختبراته.

ولهذا، فإن ما أصاب الجامعة في الحرب ليس مجرد دمار لمبانٍ.. لقد أصاب شيئاً من الذاكرة الوطنية السودانية.
قاعات الدراسة تضررت، والمكاتب الإدارية أصابها الخراب، والمعامل والمكتبات والساحات لم تسلم من آثار الحرب. والمشهد، لمن عرف الجامعة وأحبها، مؤلم بما يكفي لأن يجعل السؤال يتجاوز الحجارة إلى ما هو أبعد:
هل نترك جامعة الخرطوم تحت الركام؟
أم نمد إليها أيدينا ونقول لها:
عودي… فالسودان ما زال يحتاج إليك..

يا أهل السودان… هذه جامعتكم:

هذا النداء ليس إلى خريجي جامعة الخرطوم وحدهم.
إنه أولاً إلى كل أهل السودان.
إلى السودانيين بمختلف مشاربهم السياسية والفكرية والاجتماعية والثقافية.
إلى من ينتمون إلى الأحزاب، وإلى من لا ينتمون إلى أي حزب.. إلى اليمين واليسار والوسط، وإلى أصحاب الرؤى المختلفة والمواقف المتباينة.. إلى من اختلفوا في قراءة الماضي، وإلى من يختلفون اليوم حول الطريق إلى المستقبل.
وإلى كل سوداني يؤمن بأن التعليم ليس ترفاً، وأن المعرفة ليست امتيازاً لفئة، وأن نهضة الوطن تبدأ من الإنسان.

فجامعة الخرطوم أكبر من خلافاتنا السياسية، وأوسع من انتماءاتنا الفكرية، وأقدم من كثير من الخصومات التي فرقت بين السودانيين..
ليس مطلوباً أن نتفق في السياسة حتى نتفق على إعادة إعمارها.. وليس مطلوباً أن نتنازل عن قناعاتنا.. المطلوب فقط أن نتفق على حقيقة بسيطة:
أن السودان يحتاج إلى العلم، وأن جامعة الخرطوم جزء من قدرته على النهوض.

قد نختلف حول السياسة والدولة والاقتصاد والمجتمع، وقد تختلف رؤانا في تفسير ما حدث وما ينبغي أن يحدث.. لكن هل نختلف على أن الطالب السوداني يستحق جامعة قوية؟
هل نختلف على أن المكتبة يجب أن تفتح أبوابها؟
وأن المعمل يجب أن يعود إلى العمل؟
وأن الأستاذ يجب أن يجد بيئة تليق بالعلم؟
وأن البحث العلمي يجب أن يعود إلى مكانه الطبيعي في مشروع السودان؟
هنا ينبغي أن يتقدم الوطن على الخلاف.
وهل أخذت الجامعة نصيبها من الحب؟

قد يقول قائل: لقد نالت جامعة الخرطوم من الحب والدعم ما يكفي، وخرجت منها أجيال لم تكن كلها عند مستوى ما ينتظره الوطن منها. وربما كان بعض خريجيها، حين وصلوا إلى مواقع المسؤولية، جزءاً من أزمات البلاد أو بعيدين عن هموم الناس.
هذا نقد مشروع، ولا ينبغي أن نخاف منه.. فالجامعة ليست معصومة، وخريجوها ليسوا ملائكة.
خرجت منها أجيال عظيمة خدمت السودان، وخرج منها أيضاً من أخفق، ومن ابتعد، ومن انشغل بمصلحته الخاصة.
لكن هل نعاقب الجامعة بأخطاء بعض أبنائها؟
وهل نهدم المكتبة لأن بعض قرائها لم يصبحوا علماء؟
وهل نغلق المعمل لأن بعض من تعلموا فيه لم يستخدموا علمهم كما ينبغي؟
الجامعة تمنح المعرفة، لكنها لا تستطيع وحدها أن تضمن كيف يستخدم الإنسان ما تعلمه.

ثم إن القضية اليوم ليست محاكمة الماضي.. إنها سؤال المستقبل.. ربما أخذت الجامعة نصيبها من الحب في الماضي، وربما لم يكن ذلك الحب دائماً كافياً، وربما كان بعض أبنائها أقل وفاءً مما ينبغي.. لكن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم ليس:
ماذا أخذنا من الجامعة؟
بل: ماذا نستطيع أن نعطيها حتى يستفيد منها جيل لم يولد بعد؟
فالوفاء الحقيقي ليس أن نتغنى بالماضي.. الوفاء أن نبني المستقبل.

خريجو الجامعة… جاء دوركم:

وبعد أن نقول: يا أهل السودان، هذه جامعتكم، فإن لنا نداءً خاصاً إلى خريجيها.
يا خريجي جامعة الخرطوم…أنتم تعرفون معنى هذه الجامعة أكثر من غيركم.
تذكرون أول يوم دخلتم فيه بواباتها، وأول محاضرة، وأول امتحان، وأول كتاب، وأول صديق، وأستاذاً ربما غيّر شيئاً في حياتكم.

تذكرون الساحات والمدرجات والمكتبات، وتذكرون أحلام الشباب التي كانت أكبر من كل الإمكانات.. و اليوم الجامعة تحتاج إليكم.
ليس لأنكم وحدكم مسؤولون عنها، فقد بدأنا النداء بكل أهل السودان.. ولكن لأن لكم معها علاقة لا يستطيع أن يفهمها إلا من عاش سنواته بين جدرانها.
فليكن لكل دفعة مشروع..
ولكل كلية مبادرة.. ولكل رابطة خريجين سهم.
من يستطيع المال فليساهم.
ومن يملك الخبرة فليقدمها.
ومن يستطيع حشد الدعم فليحشد.
ومن يستطيع الوصول إلى جامعة أو مؤسسة دولية فليفتح باباً.. ومن لا يستطيع إلا أن يرفع صوته بالنداء، فليكن صوتاً لها.

ولنجعل كل ذلك في إطار واضح وشفاف، يعرف فيه كل من ساهم أين ذهب عطاؤه وكيف تحول إلى قاعة أو معمل أو مكتبة أو منحة أو جهاز أو برنامج علمي.

لا نريد استعادة الماضي… بل بناء الأفضل، لكن إعادة إعمار جامعة الخرطوم يجب ألا تعني إعادة ما كان فقط. نريد الجامعة التي ستخرج من الركام أفضل مما كانت.
نريد معامل حديثة، ومكتبات رقمية، وبنية تكنولوجية متقدمة، ومراكز بحث علمي قادرة على معالجة قضايا السودان، وشراكات واسعة مع الجامعات العالمية.

نريد جامعة أكثر التصاقاً بالمجتمع.. أكثر اهتماماً بالصحة والزراعة والمياه والطاقة والاقتصاد والبيئة.
جامعة تجعل المعرفة في خدمة الناس، والبحث العلمي في خدمة التنمية، والتعليم في خدمة بناء الدولة.
وإذا كانت هناك أخطاء في الماضي، فلنجعل من إعادة البناء فرصة لإصلاحها.
وإذا كانت هناك مسافة بين الجامعة والمجتمع، فلنردمها.
وإذا كان بعض خريجيها قد ابتعدوا عن الوطن، فلنصنع جيلاً جديداً يعرف أن الشهادة ليست امتيازاً شخصياً، وإنما أمانة ومسؤولية.

الجميلة والمستحيلة:

قد تبدو المهمة ضخمة.. وقد يبدو إعادة بناء جامعة الخرطوم في هذه الظروف ضرباً من المستحيل.. لكن السودان نفسه يقف اليوم أمام المستحيل. فلماذا لا نحاول؟

لماذا لا نحول الركام إلى بداية؟ لماذا لا نجعل من الجامعة أولى العلامات على أن هذا الوطن، رغم كل ما أصابه، لا يزال قادراً على الحلم؟

فلنجعل نفير جامعة الخرطوم نفيراً وطنياً مفتوحاً.
لا حزب له.
ولا لوناً سياسياً.
ولا جهة تحتكره.
إنه نداء للإنسان السوداني قبل كل شيء.
نختلف في السياسة… ونتفق على أن العلم يستحق أن يبقى.. نختلف في الفكر… ونتفق على أن أبناءنا يستحقون المستقبل.
نختلف في قراءة الماضي… ونتفق على ألا نترك المستقبل تحت الركام.. فجامعة الخرطوم ليست ملك جيل مضى.. إنها أمانة جيل حاضر، وحق جيل قادم.
وحين تعود قاعاتها إلى النبض، وتفتح مكتباتها أبوابها، وتعود المعامل إلى التجربة، وتمتلئ ساحاتها بالطلاب، لن تكون الجامعة وحدها قد عادت.. سيعود معها شيء من السودان.
وربما تبدأ الحكاية من نافذة صغيرة في جدار مكسور..
ثم قاعة… ثم مكتبة… ثم معمل.. ثم صوت أستاذ… ثم خطوات طالب في صباح الخرطوم.

وبين خطوة وخطوة، قد نكتشف أن السودان الذي ظنناه قد ضاع، كان فقط ينتظر من يوقظ فيه القدرة على البدء من جديد.. فلا تبكوا جامعة الخرطوم.
لا تجعلوا ذكراها صورة معلقة على جدار الماضي.
مدوا إليها أيديكم.
أعيدوا إليها الضوء.
أعيدوا إليها الكتب.
أعيدوا إليها المعامل.
أعيدوا إليها الطلاب.
وأعيدوا إليها الحياة.
فربما لا نستطيع أن نعيد الزمن إلى الوراء، لكننا نستطيع أن نمنح المستقبل فرصة جديدة.

يا أهل السودان… هذه جامعتكم.. ويا خريجي جامعة الخرطوم… هذه الجامعة التي أعطتكم الكثير، وقد آن أوان أن تردوا لها بعض الجميل.. ولنجعل من هذا الخراب بداية لحكاية أخرى؛ حكاية جامعة تنهض من الرماد، لا لتستعيد الماضي، وإنما لتصنع مستقبلاً يليق بالسودان.
وعندما تفتح الجامعة أبوابها ذات صباح، ويدخل أول طالب إلى قاعة أعيد بناؤها، ربما لن يسمع أحد صوت الحجارة وهي تعود إلى مكانها…لكن السودان كله سيسمع شيئاً آخر:
صوت الحياة وهي تعود.
جامعة الخرطوم… الجميلة والمستحيلة.
فلنجعل المستحيل ممكناً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى