من أكبر الإشكاليات التي تعيق بناء الدولة تكرار البدايات؛ تنتهي مرحلة، و يأتي نظام جديد، أو جيل جديد، أو وزير جديد، أو مدير جديد، فتبدأ التجربة من جديد، و يعاد النظر في السياسات و الإجراءات و المؤسسات، فتعود الدولة إلى نقطة سبق أن تجاوزتها. وهكذا يتبدد جزء من الخبرة، و يُستهلك الزمن و المال في إعادة ما أُنجز، بينما كان يمكن لكل مرحلة أن تضيف إلى ما سبقها.
آن الأوان للانتقال من ثقافة البدايات المتكررة إلى ثقافة التراكم و الاستمرارية.. فالدولة الحديثة تبني على ما سبقها، تحفظ ما أثبت نجاحه، و تطور ما يحتاج إلى تطوير، و تسد الثغرات التي تكشفها التجربة، و تدخل المتغيرات الجديدة في أدواتها و وسائلها، بينما تبقى أهدافها الاستراتيجية حاضرة و مستمرة.
السياسات العامة تُوضع لتحقيق أهداف محددة، و تقوم على المعرفة و الخبرة و دراسة الواقع. ثم تتغير الظروف و تتبدل المعطيات، فتأتي المراجعة و التطوير و التحديث. وهذا هو المسار الطبيعي: سياسة تُوضع، و تجربة تُراكم، و نتائج تُقيّم، و أدوات تُحدّث، و مسار يستمر.
و لكل سياسة دورة حياة تحفظ لها حيويتها. وكما للكائنات الحية دورة تبدأ بالتكوين، ثم النمو، ثم النضج و الإثمار، فإن للسياسات و المعرفة و الخبرة دورة كذلك: فكرة مدروسة، ثم سياسة و تشريع و مؤسسات، ثم تطبيق و تقييم، ثم تطوير و تحديث. وبهذه الدورة تظل السياسة حية، لها روحها و قدرتها على مواكبة المتغيرات، و يصبح تحديثها عملية طبيعية واضحة و يسيرة، لأن الخبرة المتراكمة تجعل مواطن القوة و مجالات التحسين أكثر وضوحًا.
وكلما استقرت السياسات و استمر تطبيقها، تراكمت المعرفة، و نضجت الخبرة، و أصبح التطوير أدق و أسرع. ويأتي التحديث في الوقت المناسب وفق ما تكشفه الممارسة و ما تفرضه المتغيرات، بينما يحافظ البناء المؤسسي على استقراره. وهنا تكمن قيمة الاستمرارية: كل جيل يضيف إلى ما أنجزه الجيل الذي سبقه.
وهذا يحتاج إلى منظومة مؤسسية تحمي دورة السياسة و تضبطها. ويمكن أن تقوم على ثلاثة أجسام مترابطة، ترتبط بالسلطة التنفيذية العليا وفق النظام الدستوري، وبما يعزز استقلاليتها و فاعليتها:
أولًا: جسم لصناعة السياسات، يتولى دراسة الواقع، و إعداد السياسات، و تنقيحها، و تطويرها و رفعها.
ثانيًا: جسم للمراجعة و الاعتماد، يتولى فحص السياسات، و مراجعة اتساقها مع الاستراتيجية الوطنية، و إدخال التعديلات اللازمة، و اعتمادها وفق الأطر الدستورية و القانونية.
ثالثًا: جسم للتنظيم و التنفيذ و الرقابة، يحول السياسات المعتمدة إلى قواعد و لوائح نافذة، و ينظم عمل المؤسسات، و يتابع التطبيق، و يقيس النتائج، و يمارس الصلاحيات الرقابية و التصحيحية و الجزائية التي يمنحها القانون.
وتعود نتائج المتابعة و التقييم إلى دورة صناعة السياسات، فتتجدد المعرفة، و تتطور الأدوات، و تستمر السياسة في النمو. وهكذا تتكامل صناعة القرار، و المراجعة، و التنظيم، و الرقابة في منظومة واحدة تحفظ الاستقرار و تعزز المساءلة و تحمي المصالح العامة.
وقد سبقتنا تجارب بشرية كثيرة إلى بناء مؤسسات تحفظ هذا التراكم. والسودان بحاجة إلى دراسة هذه التجارب و الاستفادة من جوهرها، مع تكييف ما يناسب واقعه و احتياجاته.
لقد كشفت الحرب، رغم قسوتها و مآسيها، حجم الاختلالات المتراكمة، و فتحت في الوقت نفسه فرصة تاريخية و مفصلية. ومثل هذه الظروف تهيئ لحظة نادرة لإعادة ترتيب الأولويات، و إعادة بناء ما تهدم، و بناء ما ينبغي أن يُبنى على أسس أكثر قوة، و تحويل الدروس التي أفرزتها التجربة إلى سياسات و مؤسسات أكثر كفاءة.
وهذا هو واجب السلطة اليوم: أن يرتفع التفكير و العطاء إلى حجم اللحظة، و أن تُستثمر هذه الفرصة في تأسيس دولة تستطيع الأجيال القادمة أن تبني عليها. فالتاريخ سيقرأ ما أُنجز في هذه المرحلة، و سيقيس قدرة المسؤولين على تحويل المحنة إلى بداية أكثر نضجًا و استقرارًا.
ومن أهم أدوات هذا البناء الاستفادة من الخبرات المتراكمة لدى الأشخاص. فالخبرة الوطنية رصيد ينبغي المحافظة عليه و توظيفه في المكان الصحيح. والمعيار هو الكفاءة، و الخبرة، و المصلحة الوطنية، و الالتزام بسياسة الدولة و أهدافها، و القدرة على تحقيق النتائج. وتنوع التوجهات و الرؤى البشرية يمكن أن يصبح مصدر قوة حين تعمل الكفاءات داخل مؤسسات واضحة و سياسة دولة معلنة.
إعادة البناء تبدأ من الموجود، و ترتب اللبنات على أساس أقوى: سياسات متكاملة تخدم الإنتاج و التنمية، و مؤسسات أكثر كفاءة، و أولويات واضحة، و استراتيجية وطنية تعمل في اتجاه واحد.
فالنهضة دورة طويلة من العمل و التراكم؛ تحتاج إلى شجاعة في القرار، و صبر على النتائج، و معرفة و خبرة، و استثمار و مال، و قبل ذلك كله إرادة وطنية تعرف اتجاهها.
آن الأوان أن تصبح هذه البديهيات جزءًا من ثقافة الدولة: نضع، و نبني، و نراجع، و نحدث، و نواصل. فما نبنيه اليوم ليس لزمننا وحده، وإنما لزمان غير زماننا، و لأجيال ستأتي بعدنا. نريد لهم دولة قوية، مستقرة، منتجة، مكتملة الأركان؛ يجدون فيها ثمرة ما زرعناه، و أثر ما بذلناه، و أساسًا يبنون عليه ما هو أعظم.. فنحن نبني لزمان غير زماننا؛ و تلك أمانة هذا الجيل و واحد من أهم واجباته.