

الطاهر ساتي
:: عندما يتجاوز الدولار عتبة التسعة آلاف جنيه، وتشتعل الأسواق بجنون لا يرحم، ولا ترى مسؤولاً يُساءل أو يُقال، هنا يصبح الحديث عن شيء من شاكلة “تعديل وزاري” ضرباً من العبث وخداع النفس، فلنعبث..!!
:: لقد أغلق رئيس الوزراء الباب أمام أي نقاش بشأن إجراء تعديل وزاري في حكومته..والواقع أن فتح الباب أو إغلاقه لا يفرق، ولا يبدل شيئاً من الحقيقة، فالأزمة ليست في الجالسين على المقاعد، وإنما في الأسلوب الذي تُدار به الدولة..!!
:: وسواء أجرى تعديلاً أو لم يفعل، وسواء استبدل حكومته بالكامل أو أبقاها على حالها، فلن يتبدل شيء على الأرض، لأن العلة في جسد الدولة كله وليست محصورة في عضو بعينه، والعلاج لا يتم بتغيير الوجوه، بل بتغيير النهج، ليتعافى الجسد..!!
:: حكومة كامل تفتقر إلى سلطة مستقلة، فهي مجرد جهاز خاضع تماماً لمجلس السيادة، ومحاط بمراكز نفوذ خارجية، من مستشارين بلا وعي و«جوكية الكرامة» وسماسرة أحزاب.. هؤلاء هم الأقوى تأثيراً في مطابخ صناعة القرار، وفيهم من هو أقوى من رئيس الوزراء شخصياً..!!
:: وفي وضع كهذا، فما الذي سيضيفه التعديل أو كامل التغيير الوزاري؟، وما معنى أن يُستبدل شخص مقيّد بآخر تنتظره القيود أيضاً؟، وهل يُنتظر عملٌ نافع من فاقد القدرة على القرار؟، وهل يُرتجى قرارٌ إيجابي ممن لا يملك القرار؟، تلك هي المشكلة الأساسية..!!
:: والرهان على التعديل رهان خاسر، لأن القادم لن يختلف عن المغادر في شيء؛ طالما أن آلية الاختيار ذاتها عقيمة ولم تتغير.. فلا اعتبار لكفاءة أو مهنية، بل هي ذات الدائرة التي تدور في فلك الترضيات و ( الدُفعة )، واستدعاء المتقاعدين -من زمن المهدية- تحت مظنة أنهم كفاءات..!!
:: ولهذا سيكون القادم صورة مطابقة لمن سبقه، بالمستوى ذاته والعجز نفسه .. وما دامت آلية الاختيار معطوبة، فلا تتوقعوا حكومة كفاءات، ولا تنتظروا نتائج تختلف عن الراهن، فالمقدمات الفاسدة لا تُنتج إلا نتائج فاسدة، والتربة الطفلية لا تنبت شجراً..!!
:: والأهم، لماذا نبدلهم؟.. هل أخفقوا؟، وكيف نعرف من أخفق ومن نجح؟ وأين الخطة التي نحاسبهم بها؟، وهل هناك أصلاً خطة وبرنامج محدد وأرقام واضحة وجدول زمني؟.. فالمواطن لا يعرف ما الذي كُلّفوا به ولا ما أنجزوه، ولذلك نتساءل لماذا نغيّرهم وبمن نستبدلهم..؟؟
:: وزير الزراعة، على سبيل المثال، كم فداناً كان مطلوباً منه زراعته؟ وكم طناً من القمح والقطن والذرة كان يفترض أن ينتج؟.. ووزير الصناعة، كم مصنعاً كان عليه أن يعيد تأهيله وتشغيله؟.. ووزير الطاقة، ما الذي كان مطلوباً منه في البترول والكهرباء؟ وكم محطة كان عليه إعادتها إلى الخدمة..؟؟
:: ووزير الثروة الحيوانية، يتحدث كثيراً عن مدن الإنتاج، وهو العاجز عن افتتاح حظيرة بها بقرتان وماعز، لماذا وكيف ومتى؟.. وكل الوزراء، هل أعلنوا للناس خططاً واضحة ومجازة بما يسمونه مجلساً تشريعياً، وما هو كذلك؟.. لا طبعاً، فكيف نحاسب الفاشل ونحفز الناجح في ظل هذا التخبط..؟؟
:: وكيف يمكن للشعب معرفة المطلوب منهم، أو التأكد من أنهم لم ينجزوا، في ظل غياب سلطة رقابية ومجلس تشريعي يتابع ويسأل ويحاسب؟.. ثم السؤال الأهم، هل رئيس الوزراء نفسه ناجح حتى يستبدل وزيراً فاشلاً؟.. فاقد الشيء لا يعطيه، ومن لم يحقق إنجازاً لا يملك حق محاسبة غيره..!!
:: لذلك فإن التعديل الوزاري من دون خطة مسبقة، أو معايير واضحة، أو مساءلة حقيقية ليس إصلاحاً، بل مجرد تدوير للأسماء داخل دائرة الفشل.. وثمة اعتقاد سائد بأن إصرار مجلس السيادة على استمرار كامل إدريس في منصبه، برغم الإخفاق المشهود، ما هو إلا مناورة مبطنة..!!
:: نعم، هي مناورة سياسية غايتها جعل ظهر رئيس الوزراء مكشوفاً – وحيداً – أمام سهام النقد الإعلامي والسخط الشعبي، وتحميله المسؤولية الكاملة عما آلت إليه الأوضاع، لرفع الحرج – والملام – عن مجلس السيادة..!!