في هذه الحلقة الثانية والأخيرة نسلط الضوء على محور مضاد يمكن تسميته بتحالف السيادة وهو تحالف ناشئ يقوم على حماية الدولة المركزية ورفض شرعنة الانفصال وفرض الوقائع عبر الاعترافات السياسية والمليشيات والكيانات الوظيفية. هذا المحور السعودية ومصر وتركيا، ومعها الحكومة الفيدرالية الصومالية، مع تقاطعات محتملة مع السودان الرسمي وإريتريا وقطر، بينما تقف الصين وروسيا في الخلفية كعاملين حاسمين في سقف الصراع.السيادة، تقوده السعودية ومصر وتركيا، ومعها الحكومة الفيدرالية الصومالية، مع تقاطعات محتملة مع إريتريا والسودان الرسمي. هذا التحالف يتأسس على مبدأ جوهري: رفض شرعنة الانفصال ومنع فرض وقائع جديدة عبر الاعترف بالكيانات المنقسمة والمليشيات والسيطرة على الدول عبر الاستثمارات والموانئ
تبرز السعودية بوصفها الركيزة السياسية والاقتصادية الأكثر تأثيراً داخل هذا التحالف، بحكم موقعها الجغرافي في قلب البحر الأحمر، وامتلاكها أدوات ضغط إقليمية واسعة، وقدرتها على إعادة تشكيل معادلات الأمن البحري عبر شراكات دولية وتحركات دبلوماسية نشطة. فالسعودية لا تنظر إلى القرن الأفريقي باعتباره ساحة نفوذ عابرة، بل باعتباره عمقاً استراتيجياً مباشراً لأمنها القومي، حيث ترتبط سلامة ممرات التجارة والطاقة في البحر الأحمر باستقرار الدول المطلة عليه، وهو ما يجعل الرياض أكثر حساسية تجاه مشاريع التفكيك والانفصال التي قد تفتح الباب لفوضى دائمة على الضفة المقابلة.
وتظهر مصر في صدارة هذا التحالف. فالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي شدد في تصريح له 8 فبراير 2025 على سيادة الدول حين قال:«أكد رفض مصر القاطع لأي إجراء من شأنه الإخلال بسيادة الدول واستقرارها ووحدتها، معتبراً أن الاعتراف بأجزاء من أراضي دولة دون موافقتها يمثل انتهاكاً صريحاً لمبادئ ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي».وتصريح آخر في 24 يناير 2026 أكد فيه أن:
«مصر ترفض بشكل قاطع أي محاولات لتقسيم الدول… أو إنشاء أي كيانات خارج سيطرة الدولة.
أما تركيا، فهي تمثل ضلعاً حاسماً في تحالف السيادة، ليس فقط بسبب حضورها العسكري والأمني في الصومال، بل أيضاً لأنها تقدم نموذجاً مغايراً للنفوذ يقوم على دعم مؤسسات الدولة المركزية وبناء قدراتها، وليس على الاستثمار في الكيانات المنفصلة أو المليشيات. فأنقرة تنظر إلى البحر الأحمر والقرن الأفريقي بوصفهما امتداداً لمجالها الاستراتيجي الأوسع، وتسعى إلى حماية خطوط تجارتها ونفوذها عبر تحالفات رسمية مع الحكومات الشرعية، وهو ما يضعها تلقائياً في مواجهة مشاريع “الكيانات الوظيفية” التي تعمل على إضعاف الدول وتحويلها إلى مناطق نفوذ مفتوحة
تصاعدت أهمية ووزن تلك التحالفات بسبب أن البحر الأحمر لم يعد مجرد ممر ملاحي تقليدي، بل أصبح محوراً في مشاريع عالمية كبرى، أبرزها مشروع IMEC (الممر الاقتصادي الهند–الشرق الأوسط–أوروبا) الذي أعلن في قمة مجموعة العشرين في سبتمبر 2023. وقد أكد تحليل صادر عن مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي (Carnegie Endowment for International Peace) عام 2024 أن نجاح المشروع مرتبط مباشرة بأمن البحر الأحمر وباب المندب، قائلاً نصاً:
«إن نجاح مشروع IMEC يعتمد على تأمين البحر الأحمر ومضيق باب المندب»).وبذلك يصبح القرن الأفريقي جزءاً من معركة «تأمين الممر»، لا مجرد صراع محلي
وهكذا البحر الأحمر لم يعد فقط ممراً بحرياً، بل أصبح «حداً فاصلاً» بين مشروعين عالميين: مشروع السيطرة على سلاسل الإمداد العالمية عبر التحالفات الاقتصادية، ومشروع السيطرة على المجال الأمني عبر القواعد العسكرية والوجود البحري. ولهذا السبب، فإن أي اضطراب في القرن الأفريقي لم يعد شأناً إقليمياً، بل يتحول فوراً إلى أزمة دولية تتدخل فيها القوى الكبرى بصورة مباشرة أو عبر وكلاء.
وفي قلب هذه المعادلة يقف السودان كعقدة استراتيجية تربط البحر الأحمر بالعمق الأفريقي. فهو بوابة البحر الأحمر، ولا يمكن قراءة الحرب السودانية بوصفها شأناً داخلياً فقط، بل كجزء بيئة التحالفات في الإقليم.
فالسودان لا يمثل مجرد دولة تقع داخل الإقليم، بل يمثل «الجائزة الجيوسياسية الكبرى» في صراع القرن الأفريقي. إذ إن من يملك التأثير على السودان، يملك مفاتيح العمق الأفريقي والبحر الأحمر معاً، ويستطيع التحكم في أحد أكبر مخزونات الذهب، وأوسع الأراضي الزراعية، وأطول ساحل استراتيجي على البحر الأحمر.
ولا تكتمل صورة التحالفات دون إدخال الصين وروسيا، لأنهما لاعبان يحددان سقف الصراع دون أن يكونا دائماً في الواجهة.الصين هي الأكثر حضوراً اقتصادياً «بالأرقام» في أفريقيا، وتتعامل مع القرن الأفريقي بوصفه جزءاً من بنية التجارة العالمية المرتبطة بمبادرة الحزام والطريق. بيانات مبادرة الصين-أفريقيا لعام 2024 تثبت أن:«في عام 2024 بلغ الاستثمار الأجنبي المباشر الصيني في أفريقيا 3.37 مليار دولار أمريكي»).وعلى مستوى التمويل، وثق مركز جامعة بوسطن للسياسات والتنمية العالمية (BU Global Development Policy Center) أن حجم القروض الصينية لأفريقيا بلغ:«بين عامي 2000 و2024… بلغ إجمالي القروض الصينية لأفريقيا 180.87 مليار دولار»).
هذه الأرقام تعني أن الصين تريد استقراراً يسمح لها بحماية استثماراتها وعقودها طويلة الأمد، وهو ما يجعلها عملياً أقرب إلى تحالف السيادة الذي يتمسك بالدولة المركزية.أما روسيا فحضورها أقل اقتصادياً، وتنظر للصراعات من زاوية الموارد الاستراتيجية التي تمنحها نفوذاً اقتصادياً وأمنياً في البحر الأحمر.
ولا تكتمل صورة تحالف السيادة إذا اقتصر التحليل على السعودية ومصر وتركيا ومقديشو فقط، لأن هذا التحالف يستند أيضاً إلى أطراف منخرطة بصورة مباشرة أو غير مباشرة، يأتي في مقدمتها السودان وإريتريا وقطر. فالسودان، بحكم موقعه وساحله وموارده، أصبح ساحة اختبار بين الدولة المركزية واقتصاد المليشيات.
أما إريتريا، فهي بحكم موقعها على البحر الأحمر وحساسيتها تجاه أي تمدد إثيوبي نحو الساحل، تميل عملياً إلى تحالف السيادة لأنها ترى في مشروع إثيوبيا البحري تهديداً استراتيجياً مباشراً.
وفي السياق نفسه، تبرز قطر كلاعب مؤثر عبر أدوات التمويل والدبلوماسية، وارتباطها بالحكومة الفيدرالية في مقديشو، ودعمها لنموذج الدولة المركزية في مواجهة النزعات الانفصالية، فضلاً عن أن تنافسها السياسي مع أبوظبي يجعلها أقرب إلى القوى التي ترى أن إعادة هندسة القرن الأفريقي عبر الاعترافات والانفصالات ستفتح الباب لفوضى استراتيجية تمتد إلى البحر الأحمر.
إن أخطر ما يميز المرحلة الحالية ليس فقط تصاعد النزاعات، بل انتقال القرن الأفريقي إلى نموذج جديد من الصراع يمكن تسميته بـ«صراع التحالفات»، حيث لم تعد الحرب تدور حول الجغرافيا التقليدية أو السلطة المحلية، بل حول قدرة كل تحالف على إعادة إنتاج المنطقة وفق مصالحه. فالموانئ لم تعد مجرد منافذ بحرية، بل أصبحت قواعد نفوذ. والاعترافات السياسية لم تعد أدوات دبلوماسية، بل تحولت إلى سلاح استراتيجي يمكن أن ينسف سيادة الدول. والموارد الطبيعية لم تعد ثروة وطنية، بل أصبحت وقوداً لاقتصاد الحرب.
وبذلك يصبح القرن الأفريقي أمام لحظة فاصلة: التحالفات لا تتنافس فقط على النفوذ، بل تتنافس على إعادة تعريف سيادة الدول ذاتها. فإذا نجح الانفصاليون في تكريس نموذج «الكيانات الوظيفية »، فإن ذلك سيؤدي إلى إعادة هندسة الإقليم عبر تقسيم غير معلن، تتحول فيه الدول إلى وحدات رخوة قابلة للتفكيك.
أما إذا تمكن تحالف السيادة من تثبيت مفهوم الدولة المركزية ورفض الاعترافات الانفصالية، فإن القرن الأفريقي قد يدخل مرحلة استقرار نسبي، لكن ضمن صراع طويل حول الممرات البحرية والتجارة العالمية.
إن القرن الأفريقي لم يعد ساحة صراع إقليمي فقط، بل أصبح مختبراً لإعادة تشكيل النظام الدولي على ضفاف البحر الأحمر. فمن يسيطر على الممرات يفرض شروط السياسة، ومن يفرض شروط السياسة يحدد شكل الخرائط القادمة.
وفي عالم تحكمه التجارة مثلما تحكمه الجيوش، فإن من يتحكم في السواحل لا يدير الاقتصاد فقط، بل يدير القرار السياسي أيضاً.
أن أخطر ما يواجه القرن الأفريقي أن تصبح الفوضى هي البيئة الطبيعية لإنتاج السياسة ويصبح السؤال الحقيقي: هل سينتصر نموذج الدولة المركزية ذات السيادة، أم سينتصر نموذج الكيانات الوظيفية الفوضوية التي تُدار من الخارج؟ ذلك هو جوهر الصراع الذي ستيعيد نتائجة هندسة القرن الأفريقي اليوم.