السودان ليس شركة خاسرة يا سيد بولس

امجد فريد الطيب

على مدى ثلاثة أعوام، منذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني ومليشيا الدعم السريع، عجزت المنظومة الدولية عن مخاطبة الأزمة السودانية بشكل فعال، لتظل مبادرات الحل أسيرة العجز والفشل. واليوم، يلوح على السودان في أزمته، شبح سلطة الائتلاف المؤقتة (CPA) التي تم تأسيسها في العراق بعد الغزو الأمريكي في 2003 بقيادة بول بريمر.

حينها، افترضت واشنطن أن الدولة العراقية يمكن تفكيكها وإعادة تجميعها عبر مراسيم إدارية وقرارات تكنوقراطية تحمل الصبغة الدولية، وتتجاوز الديناميكيات السياسية المحلية والظروف الداخلية للدولة العراقية.

والنتيجة كما هو معلوم كانت كارثية: ولادة دولة هشة، وتفشي المليشيات، وانهيار كامل لمفهوم السيادة وصولا إلى إطلاق وحش “تنظيم الدولة” في المنطقة والعالم.
وبالرغم من الفشل الكارثي لهذه التجربة على كافة النواحي، فإن ما يحاوله مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية في السودان اليوم، هو النسخة المحدثة من “منظومة بريمر”، ولكن بصبغة استثمارية أكثر فجاجة.

إذ ظهر للعلن اقتراح توسيع مهام “مجلس السلام”- وهو الآلية التي صممت أصلا كأداة استثنائية للتعامل مع كارثة غزة- ليشمل السودان.

في 4 فبراير/شباط 2026، أدلى بولس، بتصريحات نقلتها وكالة الأناضول، مفادها أن إدارة ترامب أعدت خطة سلام شاملة للسودان. إذا تم قبولها من الرباعية، فستقدم لاحقا إلى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، ثم تحال إلى “مجلس السلام” لاعتمادها وتنفيذها.
هذا البيان ليس تفصيلا عابرا، بل يشكل الإعلان الصريح الأول عن نية وضع السودان ضمن نطاق عمل “مجلس السلام” في إطار خطة جديدة من 17 بندا وضعتها الولايات المتحدة وعرضتها في اجتماع المجموعة الرباعية في واشنطن في 4 فبراير/شباط الماضي، ولا يزال مضروبا عليها سياج من السرية المشددة. بيدَ أن ما يتبدى منها يكشف عن جهد مدبر مسبق للسيطرة الشاملة على السودان عبر آليات استعمارية جديدة متعددة الأطراف تقوض سيادته واستقلاله.
وتتضمن الخطة ذات الـ 17 بندا- بالإضافة إلى اللغة التجميلية المعتادة عن تسهيل المعونات الإنسانية، والتمهيد لإنشاء حكم مدني ديمقراطي في السودان- تكوين صندوق إعادة إعمار، تديره وتشرف عليه الدول الداعمة، وتحدد هي أولوياته ومهامه، وليس الشعب السوداني، مع تعهد مبدئي من الحكومة الأمريكية بدعمه بمبلغ 1.5 مليار دولار. هذه ليست آلية لحل نزاع سياسي، كما أنها بالتأكيد ليست مساعدة تنموية، بل هي نقل قرارات الدولة إلى إدارة خارجية واستعمار مكشوف الحال، وهو عين ما حذر منه كوامي نكروما في نقده للاستعمار الجديد، حيث تعاد صياغة الهيمنة تحت أشكال حديثة أكثر خداعا.

فبطبيعة الحال، إن هؤلاء الشركاء في الإدارة الخارجية سيقدمون مصالحهم الخاصة على مصالح السودانيين، مما يفتح الباب لاستغلال الموارد الطبيعية والموقع الجيوسياسي والفرص الاقتصادية تحت غطاء الإعمار.

في السودان- وهو بلد نال استقلاله عبر نضال مدني مجيد قبل أكثر من سبعين عاما- لا يمكن لأي مبادرة سلام جادة تجاهل واقع أساسي: الذاكرة الشعبية. فوجود دول متهمة بدعم مليشيا قوات الدعم السريع، كجزء من إدارة هيئة مكلفة ظاهريا بالإشراف على السلام وإعادة الإعمار، سيواجه رفضا شعبيا واسعا.

هذا الرفض لا ينبع من أيديولوجيا، بل من تجربة معاشة مليئة بالدماء والدمار. في هذه النقطة، تتوقف القضية عن كونها تمثيلا إقليميا أو جغرافيا. حتى لو تغيرت الدول المعنية، فإن فكرة الوصاية نفسها تبقى غير مقبولة. المشكلة ليست فيمن يحكم، بل في المبدأ بأن السيادة السودانية يمكن أن تدار من الخارج.

كما أن هذا المقترح محاط بمعضلتين هيكليتين:

افتراض الشرعية: حيث يعامل بولس “مجلس السلام” كجهاز يمتلك الشرعية الجوهرية لإدارة دولة ذات سيادة، دون أي نقاش عام حول أسسه القانونية، رغم أن القرار (2803) كان مقصورا أصلا على غزة.
التناقض الداخلي: هذا الاقتراح يفتقر إلى إجماع حتى داخل الرباعية نفسها: (الولايات المتحدة، بريطانيا، السعودية، والإمارات). بل إنه يتعارض مباشرة مع الاقتراح السعودي-الأمريكي الذي قدم قبل أسابيع، والذي ركز على وقف إطلاق النار، وسحب المليشيات من المناطق المدنية، ومنح دور واضح للأمم المتحدة في المراقبة، وهو مسار قبلته الحكومة السودانية مبدئيا، كما أنه وضع الأمم المتحدة كمنظومة دولية شاملة ومتعددة الأطراف في صدارة المشهد. غير أن مقترح بولس الجديد في هذه المرحلة يعني عمليا تفكيك ذلك الالتزام، وإعادة خلط الأوراق، وإرسال رسالة مفادها أن موافقة السودانيين ليست ضرورية إذا وُجد نموذج يعتبر أكثر ملاءمة من وجهة نظر الأطراف الدولية النافذة.

وهذا تحديدا ما أثارته السعودية ومصر بوضوح خلال اجتماع الرباعية الأخير في واشنطن، حيث شددتا على افتقار المبادرة إلى الإجماع المطلوب.

وعند النظر لعمق هذه الأفكار التي تطرح على الطاولة سنجدها ترى الحرب في السودان باعتبارها خللا فنيا أو نزاعا بين شركتين متنافستين يتم التحكيم بينهما عبر مجلس فني، وليس صراعا سياسيا على طبيعة الدولة نفسها، يتضمن قضايا معقدة مثل إصلاح المنظومة الأمنية والانتقال السياسي وسيادة حكم القانون ومبادئ احتكار العنف الشرعي. أي نهج يتجاهل هذا الجوهر محكوم عليه بالفشل.

فالمقترح المطروح يحول مأساة متداخلة تتطلب عدالة ومساءلة ومصالحة وطنية إلى مشكلة إدارية تحل بأدوات بيروقراطية. هنا تكمن الخطورة: فالعجز الدولي يصبح بوابة لتطبيع حلول سطحية تشرعن المليشيات، وتخدم مصالح خارجية، محولة القضايا الوطنية إلى مجرد ملفات تدار من قبل جهات خارجية تعمل بدون سياق وطني أو أساس شعبي. هذا ليس سلاما، بل هندسة وصاية جديدة تحت قناع تقني. ومع توسع نطاق المجلس، يبرز سؤال جوهري: هل هذا إصلاح للنظام الدولي، أم إعادة هندسته لأجل مصالح اقتصادية وسياسية محددة، مستغلة أزمات مثل السودان لترسيخ نموذج يتجاوز الشرعية الدولية التقليدية؟

كما أن نشأة مفهوم هذا المجلس نفسها غير مفصولة عن أزمة الأمم المتحدة، التي تعاني من شلل سياسي، وابتزاز منظم من جميع الأطراف داخل مجلس الأمن، وتآكل مستمر للفاعلية. غير أن معالجة هذا الضعف لا يمكن أن تتم بتجاوز الأمم المتحدة، بل بإصلاحها.

ما يحدث مع “مجلس السلام” هو العكس تماما. عمليا، يحول هذا النهج مركز الثقل الدولي من مؤسسة متعددة الأطراف- قاصرة ومعطلة كما هي الآن، لكنها تضمن المساواة الرسمية بين الدول- إلى هيئة صغيرة غير منتخبة، وغير خاضعة للرقابة الدولية، ومتاحة عبر رسوم عضوية يسيطر عليها الرئيس الأمريكي.

ولا يمكن فهم هذا الاقتراح دون النظر إلى تاريخ وشخصية مسعد بولس نفسه الذي لا يأتي من خلفية دبلوماسية أو أكاديمية في حل النزاعات؛ بل من عالم التجارة النقية.

حتى وقت قريب، كانت خبرته الرئيسية في تجارة السيارات المستعملة والشاحنات الثقيلة في نيجيريا، حيث يشغل منصب الرئيس التنفيذي لشركة “SCOA Nigeria PLC”، وهي شركة تجميع شاحنات وآلات ثقيلة حققت ربحا أقل من 66 ألف دولار في العام الماضي.

عند بولس، تتحول الأزمات إلى فرص صفقات، والمعاناة الإنسانية إلى متغير يدار تحت شعار “دع السوق يعمل”. هذا المنطق يختصر أزمة السودان الوجودية في أسئلة اقتصادية مختزلة: كيف ندير الأزمة بأقل تكلفة وأقصى ربح اقتصادي؟ هذا النهج يفرغ السياسة من بعدها الأخلاقي، ويعامل السيادة كبند قابل للتفاوض.

هذا هو الاستعمار الجديد المتعدد الأطراف. فلا تكون قوة استعمارية واحدة هي مسؤولة؛ بل ائتلاف من المصالح المالية الدولية عبر مجالس وصناديق وآليات إدارة. السيادة لا تلغى رسميا، بل تفرغ من محتواها.

في هذا النموذج، لا تحتاج القوى الكبرى إلى احتلال بلد، بل يمكنها السيطرة عليه بالتحكم عن بعد، مستفيدة من أزماته الداخلية وأزمة المنظومة الدولية، ولن تعدم في ذلك مجموعات من المتعاونين الداخليين الذين سيرفعون المصاحف على أسنة الرماح لتبرير أي شيء.

السلام ليس مجلسا أو صندوقا أو آلية تنفيذ. السلام عمل وطني سيادي، يبدأ بتعريف الجريمة، ويمر عبر بوابة المساءلة، ويتوج بعقد اجتماعي جديد.

كل شيء آخر، مهما كان مغلفا بأناقة أو ممولا جيدا، ليس سوى إعادة إنتاج الهيمنة بأدوات حديثة، مما يهدد بتحويل السودان إلى نموذج لاستعمار اقتصادي جديد.

وما يطرحه بولس في ميونخ ونيويورك، هو محاولة لتحويل السودان إلى منطقة خضراء كبيرة، معزولة عن واقعها الشعبي، وتدار بواسطة تكنوقراط أجانب ووكلاء محليين.

وكما علمنا درس العراق القاسي، فإن هذه الهياكل الفوقية، مهما بدت براقة أو مدعومة ماليا، سرعان ما تتحطم على صخرة الواقع المحلي، مخلفة وراءها دولا فاشلة ومجتمعات ممزقة.

إن الطريق إلى الخرطوم لا يمر عبر دافوس، بل عبر استعادة السياسة بمعناها الوطني، ورفض أي وصاية تحاول تحويل الوطن إلى شركة.

Exit mobile version