الأحداث: ماجدة حسن
لم يكن الفن في ليلة تكريم الفريق أول ركن مهندس عماد الدين مصطفى عدوي، سفير السودان لدى مصر والمندوب الدائم لدى جامعة الدول العربية، مجرد فقرة احتفالية على هامش مراسم الوداع، بل بدا أحد أكثر المشاهد تعبيراً عن الذاكرة السودانية خلال 31 شهراً من الحرب والنزوح والعمل الدبلوماسي والإنساني.
واحتضن بيت ضيافة السفير السوداني بالقاهرة في المعادي أمس أمسية جمعت شخصيات دبلوماسية ومجتمعية وفنية وإعلامية سودانية ومصرية، لتوديع عدوي بعد انتهاء مهمته، وسط حضور للفنانين وقيادات الجالية وعدد من ممثلي المؤسسات السودانية والمصرية.
وكان حضور الفنان الكبير كمال ترباس أبرز العلامات الفنية في الأمسية، حيث أحيا جانباً من الحفل بمشاركة كورال مدارس أبو ذر الكودة وعدد من الفنانين، لتتحول الموسيقى إلى مساحة تستعيد فيها المناسبة شيئاً من روح السودان، بعيداً عن ثقل الملفات السياسية والدبلوماسية التي أحاطت بالتجربة.
ولم يكن اختيار الفن في هذه اللحظة عابراً؛ فالقاهرة خلال سنوات الحرب أصبحت فضاءً واسعاً للوجود السوداني، واحتضنت أعداداً كبيرة من السودانيين، بينهم فنانون ومثقفون وطلاب، فيما تحولت الفعاليات الثقافية والفنية إلى وسيلة للحفاظ على الصلة بالوطن والذاكرة والهوية.
وحمل حضور كورال مدارس أبو ذر الكودة دلالة خاصة، إذ جمع المشهد بين الفن والتعليم والأجيال الجديدة، في مناسبة طغت عليها ملفات الجالية والتعليم والخدمات، ليقدم الأطفال والطلاب صورة أخرى للسودانيين في مصر؛ صورة تتجاوز الحرب والنزوح إلى الاستمرار في صناعة الحياة والاحتفاء بالثقافة.
كما حضرت الثقافة والتراث في شهادات المشاركين، خصوصاً حديث السفير علي مهدي، سفير الثقافة والفنون باليونسكو، عن الجهود المبذولة لحماية واستعادة عناصر من التراث السوداني التي تعرضت للنهب أو التهديد خلال الحرب. وأشار إلى تحركات واتصالات انطلقت من القاهرة بالتنسيق مع الجهات السودانية والمصرية المختصة ومنظمة اليونسكو، مؤكداً دعم عدوي لهذا المسار.
وبذلك امتد الدور الثقافي الذي ارتبط بالسفارة خلال المرحلة الماضية إلى ما هو أبعد من تنظيم الفعاليات، ليشمل حماية التراث والذاكرة السودانية في واحدة من أكثر المراحل اضطراباً في تاريخ البلاد الحديث.
وفي ختام الأمسية، توالت دروع التكريم من مؤسسات وقطاعات سودانية مختلفة، بينها اتحاد الفنانين السودانيين بمصر، إلى جانب مؤسسات الجالية والإعلام والثقافة وعدد من الشركات والجهات الرسمية والمجتمعية، في مشهد عكس تعدد المساحات التي تداخلت فيها مهمة السفارة مع حياة السودانيين في مصر.
وسط كل ذلك، بدا حضور كمال ترباس والكورال أكثر من استراحة موسيقية بين الكلمات؛ فقد اختصر الفن ما عجزت الكلمات عن قوله: أن الحرب، رغم قسوتها، لم تستطع اقتلاع الذاكرة السودانية، وأن الأغنية والفن والتراث ظلت جسوراً حية تربط السودانيين بوطنهم وتمنحهم مساحة للتماسك واستعادة تفاصيل الحياة.
وانتهت ليلة الوداع بالتصفيق والموسيقى والدروع، لكن المشهد الفني الذي رافقها ترك رسالته الخاصة: في زمن الحرب، لا يصبح الفن ترفاً، بل يتحول إلى إحدى وسائل حفظ الهوية واستعادة الإنسان لصورته عن وطنه.